البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

العصبية بين الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

تُعد العصبية من أكثر الصفات التي يُساء فهمها في الحياة اليومية وفي الممارسات النفسية على حد سواء. فكثيرًا ما يُوصف شخص بأنه “عصبي بطبعه”، أو “سريع الانفعال”، أو “حاد المزاج”، وكأن العصبية جزء ثابت من تكوينه لا يمكن تغييره. بل إن بعض الناس يقضون حياتهم مقتنعين بأنهم وُلدوا بهذه الصفة، وأنها جزء لا يتجزأ من شخصيتهم. وفي المقابل نجد أن الممارسات النفسية الحالية غالبًا ما تربط العصبية بمفاهيم مثل ضعف تنظيم الانفعالات أو القلق أو الضغوط النفسية أو بعض الاضطرابات النفسية المختلفة.

لكن عند التعمق في الظاهرة يبرز سؤال مهم: هل توجد بالفعل شخصية عصبية بطبيعتها؟ أم أن العصبية ليست صفة أصلية في الإنسان، بل نتيجة لحالة من اختلال التوازن النفسي والعصبي؟

يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية إجابة مختلفة عن كثير من الطروحات التقليدية، إذ يرى أن العصبية ليست شخصية مستقلة، وليست صفة وراثية قائمة بذاتها، وإنما هي في معظم الحالات عرض يدل على وجود خلل في تلبية الاحتياجات النفسية الأساسية للشخصية. وبمعنى آخر فإن الإنسان لا يولد عصبيًا، وإنما يصبح عصبيًا عندما يعيش فترة طويلة من عدم التوازن بين احتياجاته النفسية وطريقة حياته الفعلية.

في الممارسات النفسية الحالية تُفسر العصبية بطرق متعددة. فبعض المدارس ترى أنها ناتجة عن الضغوط النفسية المتراكمة، وبعضها يربطها بالقلق المزمن، وبعضها يعتبرها انعكاسًا لضعف مهارات تنظيم المشاعر أو إدارة الغضب. وهناك من يربطها ببعض الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب الشخصية الحدية وغيرها.

ورغم أن هذه التفسيرات قد تصف جزءًا من الظاهرة، فإنها غالبًا ما تتعامل مع العصبية باعتبارها مشكلة قائمة بذاتها، أو باعتبارها عرضًا يجب السيطرة عليه مباشرة. ولهذا تركز كثير من التدخلات العلاجية على تعليم الإنسان أساليب التهدئة، أو السيطرة على الغضب أو تغيير الأفكار السلبية أو تقليل التوتر.

لكن منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يرى أن هذه المقاربة قد تعالج النتيجة دون الوصول إلى السبب الحقيقي. فالسؤال الأهم ليس: كيف نُسكت العصبية؟ بل: لماذا ظهرت العصبية أصلًا؟

وفقًا للمنهج لكل شخصية عصبية وراثية احتياجات نفسية محددة تشكل جزءًا من طبيعتها الأساسية. وعندما تُلبى هذه الاحتياجات بصورة متوازنة، يميل الإنسان إلى الاستقرار النفسي والانفعالي. أما عندما تُحرم الشخصية من احتياجاتها لفترات طويلة، أو تُجبر على العيش بطريقة تتعارض مع طبيعتها، يبدأ التوتر الداخلي في التراكم، وتظهر مجموعة من الأعراض التي قد يكون من بينها العصبية والانفعال الزائد.

ومن هنا فإن العصبية لا تُفهم باعتبارها سمة مستقلة، بل باعتبارها إشارة إلى وجود مشكلة أعمق في التوازن النفسي.

فعلى سبيل المثال، الشخصية الحدية (المبدعة) تحتاج إلى الإنجاز والحركة والتجديد والتعبير عن نشاطها الذهني المتواصل وطاقتها المرتفعة وأن تراعي نوبة إجهاد الشخصية الحدية. فإذا وُضعت في حياة رتيبة خالية من التحديات والإنجازات لفترات طويلة، قد تبدأ بالشعور بالاختناق النفسي والملل والتوتر. ومع استمرار هذا الوضع قد تظهر العصبية كواحدة من نتائج هذا الحرمان النفسي.

وفي هذه الحالة لا تكون العصبية ناتجة عن كون الشخصية الحدية “عصبية بطبعها”، بل عن كونها تعيش في ظروف تمنعها من إشباع احتياجاتها الطبيعية.

وبالمثل تحتاج الشخصية النرجسية (القيادية) إلى الشعور بالأمان والسيطرة والوضوح والتخطيط. وعندما تعيش في ظروف يسودها الغموض أو الفوضى أو فقدان السيطرة لفترات طويلة، قد تدخل في حالة من التوتر والانفعال المستمر. وبالرغم من أن الشخصية النرجسية ثابتة انفعاليا إلا أنه من النادر وجود شخصية مفردة وهي غالبا متواجدة على هيئة ثنائيات وثلاثيات مع شخصيات أخرى إما انفعالية أو طبيعية انفعاليًا. وهنا تظهر العصبية بوصفها نتيجة لتهديد أحد أهم الاحتياجات النفسية لهذه الشخصية.

أما الشخصية التجنبية (المجتهدة)، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الوضوح والاستقرار والتدرج والشعور بالأمان، فقد تصبح عصبية عندما تتعرض لضغوط مستمرة أو بيئات مليئة بالمفاجآت والصراعات أو المطالب التي تفوق قدرتها على التأقلم في تلك المرحلة خاصة لو كانت مقترنة بالشخصية الحدية.

وهكذا يختلف شكل العصبية وأسبابها من شخصية إلى أخرى، رغم أن المظهر الخارجي قد يبدو متشابهًا.

ومن الأخطاء الشائعة في الحياة اليومية أن الناس ينظرون إلى العصبية باعتبارها دليلًا على قوة الشخصية أو ضعفها. فالبعض يعتقد أن الشخص العصبي قوي لأنه يعبر عن غضبه، بينما يرى آخرون أنه ضعيف لأنه لا يسيطر على نفسه. لكن منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يرى أن العصبية في حد ذاتها لا تدل على القوة ولا على الضعف، وإنما تدل على أن الإنسان فقد قدرًا من توازنه النفسي.

فالإنسان المتوازن لا يحتاج عادة إلى الانفعال المستمر، لأن احتياجاته الأساسية تجد طريقها إلى الإشباع بصورة معقولة. أما عندما يتعرض لضغط طويل الأمد أو حرمان نفسي مستمر، يبدأ الجهاز العصبي في إرسال إشارات استغاثة تظهر في صورة توتر أو غضب أو انفعال أو حساسية زائدة تجاه المواقف المختلفة.

كما يلفت المنهج الانتباه إلى نقطة مهمة، وهي أن العصبية ليست دائمًا تعبيرًا عن المشكلة الحقيقية. فكثير من الأشخاص يبدون غاضبين أو حادين في التعامل، بينما يكون السبب الحقيقي خلف هذا السلوك هو الإرهاق أو الخوف أو الإحباط أو الشعور بالعجز أو الحرمان من احتياجات نفسية أساسية.

ولهذا فإن التركيز على العصبية وحدها قد يؤدي إلى سوء فهم الإنسان. فالانفعال الظاهر قد يكون مجرد قمة جبل الجليد، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في مكان آخر تمامًا.

وفي الممارسات النفسية الحالية، غالبًا ما يُطلب من الإنسان أن يتعلم السيطرة على غضبه أو تهدئة انفعالاته. ولا شك أن هذه المهارات مفيدة في كثير من الحالات، لكنها لا تكفي دائمًا إذا استمر السبب الأصلي دون حل. فالشخص الذي يعيش حياة لا تناسب تركيبته النفسية قد ينجح في كبت عصبيته لفترة، لكنه سيظل يعاني من التوتر الداخلي ما دام الخلل الأساسي قائمًا.

أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فينطلق من فكرة مختلفة. فهو يرى أن الطريق الحقيقي لتقليل العصبية يبدأ بفهم طبيعة الشخصية نفسها، ومعرفة احتياجاتها النفسية الأساسية، ثم البحث عن درجة معقولة من التوازن بينها وبين متطلبات الحياة.

فالشخصية الحدية تحتاج إلى إنجاز وتحديات وترفيه ممتع وتنوع في الأنشطة. والشخصية النرجسية تحتاج إلى وضوح وأمان وقدرة على التخطيط والسيطرة على مجريات حياتها. والشخصية التجنبية تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح لها بالتدرج والتأقلم. وعندما تُفهم هذه الاحتياجات وتُراعى بصورة مناسبة، ينخفض قدر كبير من التوتر والانفعال دون الحاجة إلى صراع دائم مع العصبية نفسها.

كما أن المنهج يرفض فكرة تصنيف الناس إلى “عصبيين” و”هادئين” بصورة مطلقة. فالإنسان نفسه قد يبدو هادئًا ومتزنًا في مرحلة من حياته، ثم يصبح سريع الانفعال في مرحلة أخرى عندما تتغير ظروفه أو تتعرض احتياجاته النفسية للضغط أو الحرمان.

وهذا يفسر لماذا نجد أشخاصًا كانوا معروفين بالهدوء لسنوات طويلة ثم أصبحوا أكثر عصبية مع مرور الوقت، أو العكس. فالتغير هنا لا يعني بالضرورة تغير الشخصية نفسها، بل قد يعكس تغير مستوى التوازن النفسي الذي تعيشه هذه الشخصية.

ومن الجوانب المهمة أيضًا أن العصبية قد تصبح أكثر وضوحًا عندما يدخل الإنسان في حالة إنهاك نفسي أو عصبي. فكلما انخفضت قدرة الجهاز العصبي على التحمل، أصبحت الاستجابة الانفعالية أكثر سرعة وحدة. ولهذا نجد أن الأشخاص المرهقين أو المحرومين من النوم أو الذين يعيشون ضغوطًا مزمنة يكونون أكثر عرضة للانفعال حتى تجاه أمور بسيطة لم تكن تستفزهم في السابق.

ومن منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية، فإن العصبية في هذه الحالات ليست مرضًا جديدًا ظهر فجأة، بل علامة على أن الجهاز العصبي لم يعد يعمل في ظروفه المثالية.

كما يختلف المنهج عن بعض الطروحات التي تربط العصبية بالأخلاق أو النوايا. فليس كل شخص عصبي سيئ الخلق، وليس كل شخص هادئ متزن نفسيًا. فقد يكون الإنسان طيبًا ومحبًا للآخرين لكنه يعيش حالة طويلة من الحرمان النفسي أو الإجهاد أو عدم التوازن، فتظهر عليه العصبية رغم أن جوهر شخصيته لم يتغير.

وفي المقابل، قد يبدو شخص آخر هادئًا للغاية لكنه يخفي وراء هذا الهدوء مشكلات مختلفة تمامًا. لذلك فإن الحكم على الإنسان من درجة انفعاله فقط قد يكون مضللًا في كثير من الأحيان.

وفي النهاية، يكشف الفرق بين الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية عن اختلاف جوهري في فهم العصبية. فبينما تميل بعض المقاربات إلى النظر إليها باعتبارها مشكلة انفعالية أو عرضًا يحتاج إلى السيطرة المباشرة، يرى منهج البناء العصبي الوراثي أنها في الغالب إشارة إلى اختلال أعمق في توازن الاحتياجات النفسية للشخصية.

ومن هذا المنظور، لا يوجد إنسان عصبي بطبعه، كما لا توجد شخصية خُلقت لكي تكون غاضبة أو سريعة الانفعال بصورة دائمة. وإنما توجد شخصيات مختلفة، لكل منها احتياجاتها النفسية الخاصة، وعندما تُحرم من هذه الاحتياجات أو تعيش في ظروف تتعارض مع طبيعتها لفترات طويلة، يبدأ التوتر بالتراكم حتى يظهر في صورة عصبية أو غضب أو انفعال زائد. ولذلك فإن فهم الشخصية واحتياجاتها لا يصبح مجرد وسيلة لتفسير العصبية، بل يتحول إلى مفتاح أساسي للوقاية منها وعلاجها واستعادة التوازن النفسي الحقيقي.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى