أبحاثنفسية

قراءة أبحاث الدماغ (2): كيف يغيّر البناء العصبي الوراثي للشخصية قراءة أبحاث ADHD؟

تكاد لا تمر بضعة أيام دون نشر دراسة جديدة عن ADHD. مرة يتحدث الباحثون عن اختلاف في قشرة الفص الجبهي، ومرة عن خلل في شبكات الانتباه، ومرة عن انخفاض أو ارتفاع في نشاط الدوبامين، ومرة عن اختلاف في الاتصال بين مناطق الدماغ.

وتتكرر العبارات نفسها في معظم الأخبار العلمية: اكتشف العلماء سببًا جديدًا لاضطراب ADHD. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل أثبتت الدراسة بالفعل أنها اكتشفت سبب مرض؟ أم أنها اكتشفت فقط اختلافًا في طريقة عمل الدماغ؟ وهنا يبدأ الفرق بين البيانات وطريقة تفسيرها.

ماذا تقول الأبحاث فعلًا؟

عند مراجعة الدراسات الحديثة في علوم الأعصاب، نجد أنها تتحدث غالبًا عن مجموعة من النتائج المتكررة، مثل:

  • اختلاف في كفاءة الشبكات المسؤولة عن الانتباه.
  • تغيرات في شبكات التحكم التنفيذي.
  • نشاط مختلف في دوائر المكافأة والتحفيز.
  • سرعة مختلفة في الانتقال بين أنماط التفكير.
  • اختلافات في الاتصال الوظيفي بين مناطق الدماغ.
  • اختلافات جينية متعددة، دون وجود جين واحد مسؤول عن الحالة.

هذه النتائج أصبحت تتكرر في عشرات الدراسات، وهي في حد ذاتها تقدم معلومات مهمة عن كيفية عمل هذا النوع من الدماغ. لكنها لا تقول إن الدماغ مريض، إنها تقول فقط إنه يعمل بطريقة مختلفة.

أين يبدأ التفسير؟

بعد عرض النتائج تأتي الخطوة التالية في كثير من الدراسات، وهي تفسير هذه الاختلافات على أنها خلل يحتاج إلى تصحيح. ويُبنى على ذلك تصور علاجي يهدف إلى جعل الدماغ يعمل أقرب ما يكون إلى النموذج الذي يُعد “طبيعيًا”. لكن ماذا لو كان الافتراض الأساسي نفسه بحاجة إلى مراجعة؟ ماذا لو لم يكن هذا الدماغ نسخة معطلة من الدماغ الطبيعي، بل كان بناءً عصبيًا مختلفًا منذ البداية؟ عندها تصبح النتائج نفسها ذات معنى جديد.

من الاضطراب إلى البناء العصبي

في إطار البناء العصبي الوراثي للشخصية لا يُنظر إلى النشاط الذهني المرتفع أو سرعة انتقال الأفكار أو الحساسية العالية للمثيرات، على أنها أعراض مرض في حد ذاتها، بل تُفهم على أنها خصائص لبناء عصبي وراثي معين وهذا يغير السؤال بالكامل. فبدلًا من أن نسأل: “لماذا يفشل هذا الدماغ في التركيز؟” قد يكون السؤال الأدق: “كيف يوزع هذا الدماغ انتباهه؟” وبدلًا من: “لماذا ينتقل بسرعة بين الأفكار؟”، قد يكون السؤال: “ما الفائدة العصبية من هذه السرعة، ومتى تتحول إلى عبء؟” إن تغيير السؤال يؤدي غالبًا إلى تغيير الإجابة.

لماذا تختلف الأعراض من شخص لآخر؟

من أكبر التحديات التي تواجه أبحاث ADHD أن التشخيص الواحد يضم أشخاصًا يختلفون اختلافًا كبيرًا، فهناك من يغلب عليه النشاط الحركي وهناك من يغلب عليه التشتت الذهني وهناك من يتميز بإبداع استثنائي وهناك من يعاني من ضعف في التنظيم فقط وهناك من يجمع بين عدة صفات في الوقت نفسه، ولهذا يصعب العثور على بصمة دماغية واحدة أو جينية واحدة تنطبق على الجميع. أما إذا كانت هذه الحالات تمثل تراكيب عصبية وراثية مختلفة، فمن الطبيعي أن تختلف نتائج الدراسات لأن الباحث لا يدرس نمطًا واحدًا بل مجموعة من الأنماط التي تشترك في بعض المظاهر السلوكية وتختلف في بنيتها العصبية.

النشاط الذهني المرتفع… هل هو المشكلة؟

من منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية، قد لا يكون النشاط الذهني المرتفع هو المشكلة الأساسية بل قد يكون أحد أهم مصادر القوة. فالعقل الذي ينتقل بسرعة بين الأفكار قد يمتلك قدرة أعلى على الربط والتخيل وحل المشكلات واكتشاف الأنماط الجديدة. لكن هذه الميزة نفسها قد تتحول إلى مصدر معاناة إذا لم يتعلم صاحبها كيفية إدارتها. وعندها لا يصبح الهدف إيقاف النشاط العقلي بل توجيهه. وهذا يشبه امتلاك محرك قوي في سيارة، فالمشكلة ليست في قوة المحرك وإنما في تعلم التحكم به.

لماذا ينجح بعض المصابين دون علاج؟

من الملاحظ في الواقع العملي أن بعض الأشخاص الذين تنطبق عليهم معايير ADHD يحققون نجاحًا علميًا أو مهنيًا كبيرًا، بينما يعاني آخرون من صعوبات شديدة. إذا كان السبب مرضًا واحدًا فمن الصعب تفسير هذا التباين الكبير. أما إذا كان السبب هو اختلاف في طريقة إدارة البناء العصبي، مع اختلاف الشخصية والبيئة والخبرات والمهارات المكتسبة، فإن هذا التباين يصبح أكثر قابلية للفهم. فالاختلاف لا يكون في وجود النشاط الذهني فقط، وإنما في كيفية التعامل معه.

ماذا تعني الأبحاث الحديثة عند إعادة قراءتها؟

عندما تعلن دراسة أن هناك اختلافًا في شبكات الانتباه، فإن السؤال لا يكون: “كيف نزيل هذا الاختلاف؟” بل: “ما الدور الذي يؤديه هذا الاختلاف داخل هذا البناء العصبي؟” وعندما تعلن دراسة عن اختلاف في دوائر المكافأة، لا يكون السؤال: “كيف نجعلها مطابقة لغيرها؟” بل: “كيف تؤثر هذه الدوائر في أسلوب التعلم والدافعية واتخاذ القرار لدى هذا النمط العصبي؟” وهكذا تتحول نتائج الأبحاث من البحث عن خلل إلى البحث عن فهم.

من العلاج إلى إعادة البناء

إذا تغير فهمنا لطبيعة ADHD، فإن مفهوم العلاج نفسه يتغير. فلا يصبح الهدف القضاء على النشاط الذهني المرتفع، ولا تحويل الإنسان إلى نسخة أكثر هدوءًا، وإنما مساعدته على استثمار خصائصه العصبية بطريقة تقلل المعاناة وتزيد الكفاءة.

وفي إطار منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، يتمثل الهدف في إعادة بناء الشخصية الوراثية؛ أي تطوير المهارات والأنماط المعرفية والسلوكية التي تمكّن الإنسان من إدارة خصائصه العصبية بكفاءة أكبر، بدلاً من النظر إلى هذه الخصائص على أنها عيوب ينبغي محوها.

وهذا لا يعني إنكار المعاناة التي قد يعيشها كثير من الأشخاص، ولا رفض الوسائل العلاجية التي قد تخففها، وإنما يعني أن فهم أصل المشكلة يوجّه اختيار التدخل المناسب ويحدد هدفه.

هل نحتاج إلى بيانات جديدة… أم إلى تفسير جديد؟

خلال السنوات الأخيرة، أنتجت علوم الأعصاب كمية هائلة من البيانات حول الدماغ لدى الأشخاص المصنفين ضمن ADHD. لكن معظم هذه البيانات ما زالت تُقرأ من خلال افتراض أن الاختلاف العصبي دليل على وجود اضطراب. أما إذا اعتُبر هذا الاختلاف جزءًا من بناء عصبي وراثي للشخصية، فإن كثيرًا من النتائج تكتسب معنى مختلفًا. فبدلًا من البحث المستمر عن “الخلل”، يبدأ البحث في فهم التنوع العصبي، وكيف تتفاعل أنماطه المختلفة مع البيئة والتعليم والتجارب الحياتية. وربما يكون هذا هو الاتجاه الذي تحتاجه المرحلة القادمة من علوم الأعصاب: ليس إنتاج بيانات أكثر فحسب، بل امتلاك إطار نظري يفسر هذه البيانات بطريقة تكشف وظائفها، لا أن تكتفي بوصفها على أنها انحراف عن نموذج واحد يُفترض أنه النموذج الطبيعي للجميع.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى