آلية البحثنفسية

إشكالية الحكم على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية (3): هل يجب أن يتفق المنهج الجديد مع التصنيفات النفسية الحالية حتى يكون صحيحًا؟

من أكثر الاعتراضات التي تُوجَّه إلى أي منهج جديد في علم النفس أنه لا يتوافق مع التصنيفات النفسية السائدة. وكأن صحة أي فكرة أصبحت مرتبطة بمدى تشابهها مع ما هو موجود بالفعل، لا بمدى قدرتها على تفسير الواقع. لكن عند التأمل في تاريخ العلوم عمومًا، وتاريخ الطب النفسي وعلم النفس خصوصًا، نجد أن هذا الاعتراض يطرح إشكالية جوهرية: هل المطلوب من أي منهج جديد أن يكرر ما هو معروف أصلًا، أم أن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على تقديم تفسير مختلف؟

لو كان الاتفاق مع النماذج السائدة شرطًا لصحة أي نظرية جديدة، لما ظهرت أغلب النظريات العلمية التي غيرت فهم البشر للعالم. فكل تقدم علمي حقيقي بدأ من نقطة اختلاف مع التفسير السابق، وإلا لما كانت هناك حاجة إلى نظرية جديدة من الأساس.

وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا عندما ننظر إلى علم النفس والطب النفسي. فالتصنيفات النفسية الحالية لم تنشأ دفعة واحدة، ولم تكن ثابتة عبر الزمن. بل إن كثيرًا من التشخيصات التي كانت تُعد حقائق علمية في فترات سابقة اختفت أو تغيرت أو أعيد تعريفها بصورة جذرية.

فالنسخ المختلفة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) شهدت إضافات وحذفًا وتعديلات مستمرة. كما أن معايير التشخيص نفسها تغيرت مرارًا خلال العقود الماضية. وهذا يعني أن التصنيف النفسي الحالي ليس قانونًا طبيعيًا ثابتًا، بل نموذجًا تفسيريًا قابلًا للتطوير والمراجعة.

ومن هنا يظهر السؤال المهم: إذا كانت التصنيفات الحالية نفسها قد تغيرت مرات عديدة، فلماذا يُعامل الاختلاف عنها وكأنه دليل على الخطأ؟

يرى منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في بعض التشخيصات الفردية، بل في طريقة النظر إلى الإنسان من الأساس. فالتصنيفات النفسية التقليدية تعتمد غالبًا على تجميع الأعراض المتشابهة في مجموعات تشخيصية، ثم دراسة هذه المجموعات باعتبارها اضطرابات منفصلة. أما المنهج فينطلق من اتجاه معاكس؛ إذ يحاول فهم البنية العصبية الوراثية التي تنتج هذه الأعراض والسلوكيات قبل الانتقال إلى التصنيف.

ولهذا فإن الاختلاف بين المنهج والتصنيفات التقليدية ليس مجرد اختلاف في الأسماء، بل اختلاف في زاوية النظر نفسها.

فعلى سبيل المثال، قد يرى التصنيف التقليدي أن شخصين يشتركان في مجموعة من الأعراض نفسها، ومن ثم يُدرجان تحت التشخيص ذاته. بينما قد يرى منهج البناء العصبي الوراثي أن هذين الشخصين ينتميان إلى تركيبتين عصبيتين مختلفتين تمامًا، وأن التشابه الظاهري بينهما لا يعني تشابه البنية النفسية أو العصبية التي أنتجت هذه الأعراض.

وهذا يفسر لماذا يقدم المنهج قراءات مختلفة لقضايا مثل التوحد، واضطراب الهوية، والعصبية، ونوبات الإجهاد، والدافعية، والعلاقات الإنسانية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع التصنيفات الحالية خاطئة، لكنه يعني أن المنهج لا يعتبرها نقطة البداية لفهم الإنسان، بل يعتبرها نتيجة لمحاولة تفسير السلوك من الخارج، بينما يحاول هو تفسيره من الداخل.

ومن هنا فإن الحكم على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية بناءً على مدى اتفاقه مع التصنيفات الحالية يشبه الحكم على نظرية جديدة في الفيزياء بناءً على مدى تشابهها مع النظرية القديمة التي جاءت لتحل محلها. فالقيمة العلمية لأي نموذج لا تتحدد بمدى تشابهه مع النموذج السابق، وإنما بمدى قدرته على تفسير الواقع بصورة أفضل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتفق المنهج مع التصنيفات النفسية الحالية؟

بل: هل يستطيع تفسير الإنسان ومشكلاته واحتياجاته بصورة أكثر اتساقًا ووضوحًا من التفسيرات السائدة؟

فالعلم لا يتقدم بتكرار النماذج القديمة، وإنما يتقدم عندما تظهر نماذج جديدة تستطيع تفسير ما عجزت النماذج السابقة عن تفسيره.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى