أبحاثنفسية

قراءة أبحاث الدماغ (3): كيف يغيّر البناء العصبي الوراثي للشخصية قراءة أبحاث الاكتئاب؟

لا يكاد يمر شهر دون أن تعلن دراسة جديدة أنها اقتربت من تفسير الاكتئاب. فمرة يقال إن السبب هو اضطراب في السيروتونين، ثم تظهر دراسات تقلل من أهمية هذه الفرضية، لتتجه الأنظار بعد ذلك إلى الالتهابات المزمنة، أو اضطراب عمل الميتوكوندريا، أو محور الأمعاء والدماغ أو الجهاز المناعي أو شبكات الاتصال العصبي أو العوامل الوراثية أو اضطراب آليات التنبؤ داخل الدماغ. ويبدو للقارئ أن كل دراسة تقدم تفسيرًا مختلفًا حتى أصبح من الصعب على غير المتخصص أن يعرف أي هذه التفسيرات هو الصحيح.

لكن ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه مختلفًا تمامًا. فبدلًا من أن نسأل: لماذا تختلف نتائج الأبحاث؟ ربما يجدر بنا أن نسأل: هل نحاول تفسير ظاهرة معقدة من خلال افتراض نظري لا يعكس حقيقتها الكاملة؟

فعندما يُشخَّص شخصان بالاكتئاب فإن التشخيص قد يكون واحدًا لكن الصورة الواقعية مختلفة تمامًا. فقد يعاني أحدهما من بطء شديد في الحركة وقلة الكلام، بينما يعيش الآخر حالة من القلق والتوتر الدائم. وقد يفقد أحدهما شهيته للطعام، في حين يزداد إقبال الآخر عليه. وهناك من يغلب عليه الشعور بالذنب ومن يسيطر عليه الفراغ ومن تكون معاناته بعد فقد عزيز ومن تأتي بعد سنوات طويلة من الضغوط المزمنة ومن لا يستطيع تحديد سبب واضح لما يشعر به. ورغم هذا التنوع الكبير تُجمع هذه الحالات كلها تحت عنوان واحد هو “الاكتئاب”، ثم يبدأ الباحثون في البحث عن البصمة العصبية أو البيولوجية المشتركة بينها.

ومن هنا تبدأ الإشكالية فإذا كانت المجموعة التي يدرسها الباحث لا تمثل حالة عصبية واحدة، فمن الطبيعي أن تأتي النتائج متباينة. ولهذا نجد بعض الدراسات تشير إلى تغيرات في شبكات معينة داخل الدماغ، بينما تشير دراسات أخرى إلى شبكات مختلفة. وتجد بعض الأبحاث اختلافات في النواقل العصبية بينما تركز أخرى على الجهاز المناعي أو الهرمونات أو عمليات إنتاج الطاقة داخل الخلايا. وهذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الأبحاث متناقضة بل قد تعني أن الحالات التي وُضعت تحت التشخيص نفسه لا تنتمي في الأصل إلى بناء عصبي واحد.

إن البيانات التي تنتجها علوم الأعصاب بيانات حقيقية ومهمة لكنها تصف ما يحدث داخل الدماغ ولا تخبرنا وحدها لماذا يحدث. فعندما تكشف دراسة عن تغير في نشاط شبكة عصبية معينة فهي تثبت وجود هذا التغير لكنها لا تثبت أن هذا التغير هو أصل المشكلة ولا أنه يمثل مرضًا مستقلًا. فالانتقال من وصف الاختلاف إلى اعتباره خللًا مرضيًا هو خطوة تفسيرية وليست نتيجة تجريبية يفرضها البحث نفسه.

ومن هنا يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية قراءة مختلفة لهذه النتائج. فهو لا يبدأ من التشخيص وإنما من الإنسان وبنائه العصبي. فلكل بناء عصبي طريقته الخاصة في معالجة الضغوط وتنظيم الانفعالات والتعامل مع الخسائر واستعادة التوازن بعد الأزمات. ولذلك فإن تعرض شخصين للظروف نفسها لا يعني بالضرورة أنهما سيسلكان المسار النفسي نفسه، لأن طريقة استجابة الدماغ للحدث تتأثر بالبناء العصبي الذي وُلد به الإنسان قبل أن تتأثر بالتشخيص الذي حصل عليه لاحقًا.

وعند قراءة الأبحاث من هذا المنظور تصبح كثير من النتائج أكثر قابلية للفهم. فالاختلافات التي تكتشفها الدراسات في نشاط الدماغ أو في الجهاز المناعي أو في الهرمونات قد لا تكون سببًا واحدًا للاكتئاب، وإنما قد تمثل استجابات مختلفة تصدر عن أبنية عصبية مختلفة عند تعرضها للضغوط. وبذلك لا تعود التغيرات البيولوجية تفسيرًا نهائيًا للحالة، بل تصبح جزءًا من سلسلة معقدة من التفاعلات بين البناء العصبي والبيئة والخبرات الحياتية.

ولعل هذا يفسر أيضًا لماذا تختلف استجابة الأشخاص للعلاج اختلافًا كبيرًا، فبينما يستجيب بعض المرضى سريعًا لنوع معين من العلاج، لا يحقق العلاج نفسه نتائج تذكر عند آخرين رغم تشابه التشخيص، وإذا كان البناء العصبي مختلفًا منذ البداية فإن اختلاف الاستجابة يصبح أمرًا متوقعًا، لأننا لا نتعامل مع حالة واحدة وإنما مع أنماط عصبية متعددة جرى وضعها تحت اسم تشخيصي واحد.

إن إعادة قراءة أبحاث الاكتئاب من خلال البناء العصبي الوراثي للشخصية لا تعني رفض نتائج العلوم الحديثة، بل على العكس تعني الاستفادة منها بصورة أعمق. فكل دراسة تكشف اختلافًا في الدماغ تضيف معلومة جديدة، لكن هذه المعلومة تحتاج إلى إطار نظري يستطيع أن يحدد معناها الحقيقي. فالفرق كبير بين أن نصف اختلافًا عصبيًا بأنه خلل ينبغي إزالته، وبين أن نفهمه بوصفه جزءًا من بناء عصبي له خصائصه الطبيعية، وقدراته، ونقاط ضعفه، وطريقته الخاصة في الاستجابة للضغوط.

وربما لهذا السبب تتزايد في السنوات الأخيرة الأبحاث التي تتحدث عن تعدد المسارات البيولوجية والنفسية المؤدية إلى الاكتئاب، بدلاً من البحث عن سبب واحد يفسر جميع الحالات. فالعلم نفسه بدأ يواجه حقيقة أن التشخيص الواحد قد يخفي وراءه تنوعًا عصبيًا واسعًا، وأن محاولة تفسير هذا التنوع من خلال نموذج واحد أصبحت أقل قدرة على استيعاب ما تكشفه الدراسات الحديثة.

ولعل المرحلة القادمة في علوم الأعصاب لن تعتمد فقط على تطوير أجهزة أكثر دقة أو جمع بيانات أكثر، وإنما على تطوير الإطار النظري الذي تُقرأ من خلاله هذه البيانات. فربما لا يكون السؤال الأهم هو: ما سبب الاكتئاب؟ بل: ما البناء العصبي الذي جعل هذا الإنسان يستجيب لهذه الظروف بهذه الصورة تحديدًا؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، فإن كثيرًا من نتائج الأبحاث التي تبدو اليوم متفرقة أو متناقضة قد تتحول إلى أجزاء متكاملة في صورة أشمل لفهم الإنسان.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى