شهدت أبحاث التوحد خلال العقود الماضية توسعًا هائلًا في محاولة فهم الأسباب البيولوجية الكامنة وراء هذا الاضطراب. ومع اتساع مفهوم “طيف التوحد” أصبح من الشائع جمع أعداد كبيرة من الحالات المختلفة تحت مظلة تشخيصية واحدة، اعتمادًا على وجود مجموعة من السمات السلوكية المشتركة بدرجات متفاوتة. لكن دراسة حديثة نُشرت في يونيو 2026 في مجلة Nature Neuroscience أعادت إثارة تساؤلات مهمة حول مدى تجانس هذه المجموعة الكبيرة من الأفراد الذين يُصنفون جميعًا تحت اسم التوحد.
الدراسة التي قادها باحثون من المعهد الإيطالي للتكنولوجيا بالتعاو ن مع باحثين من الولايات المتحدة، اعتمدت على تحليل صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لما يقرب من 940 طفلًا وشابًا مصنفين ضمن التوحد، إضافة إلى دراسة عشرين نموذجًا مختلفًا من الفئران المعدلة وراثيًا. وقد توصل الباحثون إلى وجود نمطين بيولوجيين مختلفين من حيث طريقة الاتصال بين مناطق الدماغ.
النمط الأول يتميز بزيادة الاتصال العصبي بين مناطق الدماغ المختلفة، وهو ما أطلق عليه الباحثون “فرط الاتصال العصبي” (Hyperconnectivity). أما النمط الثاني فيتميز بانخفاض الاتصال بين مناطق الدماغ، وهو ما أطلقوا عليه “نقص الاتصال العصبي” (Hypoconnectivity).
كما أظهرت الدراسة أن كل نمط يرتبط بمسارات بيولوجية مختلفة. فالنمط منخفض الاتصال ارتبط بمسارات المشابك العصبية، بينما ارتبط النمط مرتفع الاتصال بمسارات مناعية مختلفة. وقد اعتبر الباحثون أن هذه النتائج تمثل دليلًا على وجود نوعين بيولوجيين مختلفين على الأقل داخل التوحد.
في الظاهر يبدو هذا الاكتشاف خطوة جديدة نحو فهم أكثر دقة للتوحد. لكن عند التأمل في النتائج نفسها تظهر مجموعة من الأسئلة التي قد تكون أكثر أهمية من الإجابات التي قدمتها الدراسة.
فعلى مدى سنوات طويلة كان الخطاب العلمي السائد يؤكد أن التوحد يمثل طيفًا واحدًا واسعًا تتفاوت فيه الشدة والأعراض. ثم بدأت الأبحاث الحديثة تكشف باستمرار عن اختلافات جينية وعصبية ومناعية بين الحالات المختلفة. والآن تأتي هذه الدراسة لتقول إن هناك نمطين مختلفين من الاتصال الدماغي داخل المجموعة نفسها.
لكن السؤال المنطقي هنا ليس: لماذا يوجد نوعان من التوحد؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: هل نحن متأكدون أصلًا أن جميع هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى المرض نفسه؟
فالمنهج العلمي السائد ينطلق من افتراض أولي يعتبر أن جميع المشاركين في الدراسة مصابون بالتوحد، ثم يحاول بعد ذلك تقسيمهم إلى مجموعات فرعية. أما إذا كان هذا الافتراض الأولي نفسه يحتاج إلى مراجعة، فإن تفسير النتائج قد يختلف بصورة جوهرية.
وهنا تظهر زاوية تستحق التأمل من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان.
فالمنهج لا ينكر وجود مرض التوحد، لكنه يفترض أن التوحد مرض محدد، وليس طيفًا واسعًا يضم عشرات أو مئات الأنماط المختلفة من البشر. كما يفترض أن جزءًا كبيرًا من الحالات الموجودة حاليًا داخل ما يسمى بطيف التوحد قد لا تكون مصابة بالمرض نفسه، وإنما تمثل شخصيات عصبية وراثية مختلفة تمتلك خصائص وسلوكيات تختلف عن النموذج الذي يعتبره علم النفس الحالي هو النموذج الطبيعي أو المثالي للإنسان وهو ما يرفضه المنهج من الأساس.
ومن هذا المنطلق، فإن ظهور أنماط دماغية مختلفة داخل مجموعة التوحد لا يصبح أمرًا مفاجئًا. بل قد يكون متوقعًا إذا كانت المجموعة الأصلية تضم أفرادًا ذوي تراكيب عصبية مختلفة جرى جمعهم داخل تصنيف واحد بسبب تشابه بعض المظاهر السلوكية الخارجية.
والمثير للاهتمام أن الدراسة نفسها لم تستطع تفسير جميع الحالات من خلال النمطين اللذين اكتشفتهما. فالباحثون أوضحوا أن هذين النمطين لم يمثلا سوى نحو 25% من المشاركين في الدراسة، وهذه نقطة بالغة الأهمية. فلو كان الباحثون قد نجحوا في تفسير ربع الحالات فقط من خلال النمطين المكتشفين، فهذا يعني أن ثلاثة أرباع الحالات الأخرى لا تزال خارج هذا التصنيف الجديد. ولذلك اعترف الباحثون أنفسهم بأن أنماطًا إضافية قد تظهر مستقبلًا مع زيادة حجم البيانات وتحسن وسائل التحليل.
من وجهة النظر التقليدية، يُنظر إلى هذا الأمر باعتباره دليلًا على أن التوحد يحتوي على عدد أكبر من الأنماط الفرعية مما كنا نعتقد سابقًا.
أما من زاوية أخرى، فقد يثير هذا السؤال التالي: هل نحن أمام مرض واحد يزداد تعقيدًا باستمرار، أم أننا أمام مجموعة من الظواهر المختلفة التي يجري ضمها جميعًا إلى مظلة تشخيصية واحدة؟
ومن اللافت أيضًا أن الدراسة أظهرت ارتباطات بيولوجية مختلفة تمامًا بين المجموعتين. فإحدى المجموعتين ارتبطت بمسارات المشابك العصبية، بينما ارتبطت الأخرى بمسارات مناعية. وهذا يعني أن الباحثين لم يكتشفوا مجرد اختلاف في شدة الحالة، بل اكتشفوا اختلافًا في الآليات البيولوجية نفسها.
وهنا تظهر مشكلة قديمة في الطب النفسي الحديث، وهي الاعتماد الكبير على التشخيص السلوكي. فالتشخيصات النفسية تُبنى غالبًا على ملاحظة السلوك والأعراض الظاهرة، ثم تُفترض وحدة المرض بناءً على تشابه هذه الأعراض. لكن الأبحاث العصبية الحديثة بدأت تكشف بصورة متزايدة أن التشابه السلوكي لا يعني بالضرورة وجود آلية بيولوجية واحدة خلفه.
فقد يصل شخصان إلى سلوك متشابه عبر مسارات عصبية مختلفة تمامًا. وقد يظهر شخصان المظهر الخارجي نفسه بينما تختلف احتياجاتهما النفسية ودوافعهما وآليات عمل أدمغتهما بصورة جوهرية. ومن هنا فإن هذه الدراسة تفتح بابًا مهمًا للنقاش، حتى لو لم تكن تقصد ذلك بشكل مباشر. فهي تثبت بشكل غير مباشر صحة منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، وتضع علامة استفهام كبيرة حول مدى تجانس الفئة التي يطلق عليها حاليًا اسم “طيف التوحد”.
كما أنها تثير تساؤلًا أوسع يتعلق بطبيعة التصنيف النفسي نفسه. فهل نحن نصنف الناس بناءً على حقيقة بيولوجية مشتركة، أم أننا نصنفهم بناءً على تشابهات سلوكية ظاهرية فقط؟
هذا السؤال لا يخص التوحد وحده، بل يمتد إلى كثير من التصنيفات النفسية الحديثة التي ما زالت تبحث عن أساس بيولوجي واضح ومحدد.
ومن منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، يمكن اعتبار هذه الدراسة دليلًا على صحة المنهج، فالنتائج تشير بوضوح إلى أن الأشخاص الذين يتم وضعهم تحت التشخيص نفسه لا يشتركون بالضرورة في البنية العصبية ذاتها. كما تشير إلى أن السلوك الظاهر قد يخفي خلفه آليات بيولوجية مختلفة بصورة كبيرة.
إن هذه النتائج تكتسب أهمية خاصة لأنها تكشف حجم التباين البيولوجي والعصبي الموجود داخل الفئة التي تُصنف حاليًا تحت اسم طيف التوحد. فكلما اتسعت الفروق في أنماط الاتصال الدماغي والمسارات البيولوجية والجينية بين هذه الحالات، أصبح من الصعب النظر إليها باعتبارها مجرد درجات متفاوتة من الحالة نفسها. ولذلك فإن هذه النتائج تنسجم مع رؤية المنهج التي ترى أن ما يسمى بطيف التوحد لا يمثل كيانًا واحدًا متجانسًا، بل يضم في داخله تراكيب عصبية مختلفة جرى جمعها تحت تصنيف واحد بسبب تشابه بعض المظاهر السلوكية الخارجية.
ولا يلفت النظر في هذه الدراسة اكتشاف نمطين مختلفين من الاتصال الدماغي فحسب، بل إن الباحثين لم يتمكنوا من تفسير سوى جزء محدود من الحالات من خلال هذين النمطين. وهذا يعني أن التباين داخل المجموعة أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، وأن الصورة البيولوجية للتوحد أكثر تعقيدًا من التصور التقليدي الذي يتعامل مع الطيف باعتباره امتدادًا لحالة واحدة تختلف فقط في الشدة والأعراض.
ومن هذه الزاوية، تمثل الدراسة إضافة جديدة إلى سلسلة متزايدة من الأبحاث التي تكشف أن المجموعات المصنفة داخل طيف التوحد ليست متشابهة بيولوجيًا بالقدر الذي افترضته النماذج التقليدية. فكلما تقدمت أدوات دراسة الدماغ والجينات والمناعة العصبية، ظهرت اختلافات أعمق بين هذه الحالات، وهو ما يجعل إعادة النظر في مفهوم الطيف نفسه أمرًا مطروحًا بصورة متزايدة داخل الأوساط العلمية.
ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا ينظر إلى هذه النتائج باعتبارها مفاجئة، بل يعتبرها متوقعة في ضوء فرضيته الأساسية التي ترى أن جزءًا من الحالات المدرجة حاليًا ضمن الطيف لا يمثل مرض التوحد ذاته، وإنما يمثل أنماطًا عصبية وراثية مختلفة جرى تصنيفها معًا تحت مظلة واحدة. ولذلك فإن أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط فيما اكتشفته، بل فيما تفتحه من تساؤلات حول صحة الافتراض الذي بُني عليه مفهوم الطيف منذ البداية.
وإذا استمرت الأبحاث المستقبلية في الكشف عن مزيد من الأنماط البيولوجية المختلفة داخل المجموعة نفسها، فإن ذلك قد يدفع إلى مراجعات جوهرية في طريقة فهم التوحد وتصنيفه. وفي هذه الحالة قد لا يكون السؤال المستقبلي: كم نوعًا يوجد داخل طيف التوحد؟ بل قد يصبح السؤال الأعمق: هل كانت جميع هذه الحالات تنتمي أصلًا إلى المرض نفسه، أم أن بعضها يمثل تراكيب عصبية مختلفة جرى جمعها تحت تصنيف واحد لسنوات طويلة؟
البحث:
Brain scans reveal two distinct types of autism










