النمطي عصبيًا والمتباين عصبيًا: أين يختلف منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية عن مفهوم التنوع العصبي الحالي؟
خلال السنوات الأخيرة، انتشر في علم النفس والتعليم والصحة النفسية مصطلحا النمطي عصبيًا (Neurotypical) والمتباين عصبيًا (Neurodivergent)، وأصبحا جزءًا من نقاش أوسع حول التنوع العصبي (Neurodiversity). وكان لهذا التحول أهمية كبيرة لأنه حاول الابتعاد عن النظرة التي تعتبر كل اختلاف في التفكير أو التعلم أو الانتباه أو التفاعل الاجتماعي خللًا ينبغي تصحيحه، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى الاعتراف بأن البشر لا يعملون جميعًا بالطريقة العصبية نفسها.
لكن هذا التحول على أهميته يثير سؤالًا أعمق وهو ما إذا كان البشر مختلفين عصبيًا بالفعل، فمن هو الإنسان الذي نطلق عليه أصلًا النمطي عصبيًا؟ وما الحدود التي تفصل بينه وبين المتباين عصبيًا؟ وهل يوجد بالفعل بناء عصبي أساسي يمكن اعتباره النمط المرجعي، ثم نقيس بقية البشر وفق مقدار اختلافهم عنه؟
هنا يظهر اختلاف جوهري بين الممارسات الحالية وبين منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فالمنهج لا يختلف معها فقط في تفسير بعض الحالات التي توضع تحت مظلة التباين العصبي، وإنما يعيد النظر في نقطة البداية التي تقوم عليها الثنائية نفسها.
يشير مصطلح النمطي عصبيًا (Neurotypical) في الاستخدام الشائع إلى الشخص الذي لا تظهر لديه حالة أو اختلاف عصبي نمائي يُصنف ضمن التباين العصبي، بينما يستخدم مصطلح المتباين عصبيًا (Neurodivergent) للإشارة إلى أشخاص تختلف أنماطهم العصبية أو المعرفية عما يُعتبر نموًا أو أداءً عصبيًا معتادًا. وتدخل تحت هذه المظلة في الاستخدامات المختلفة حالات مثل التوحد وADHD وعسر القراءة وعسر الحساب واضطرابات التناسق وغيرها، مع وجود اختلاف في مدى اتساع المصطلح وما ينبغي إدراجه تحته.
وقد ساعد مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity) على تغيير لغة النقاش. فبدلًا من النظر إلى الإنسان المختلف عصبيًا باعتباره نسخة معيبة من نموذج طبيعي واحد، أصبح من الممكن الحديث عن اختلافات عصبية قد يصاحب بعضها نقاط قوة إلى جانب الصعوبات. وهذه خطوة مهمة في مواجهة الوصم وفي فهم أن اختلاف الأداء عن المتوسط لا يعني تلقائيًا انخفاض القيمة أو القدرة.
ومع ذلك تظل الثنائية بين النمطي عصبيًا (Neurotypical) والمتباين عصبيًا (Neurodivergent) قائمة على وجود مرجع للمقارنة. فهناك نمط يُنظر إليه باعتباره الأكثر اعتيادًا أو توافقًا مع مسارات النمو والأداء المتوقعة، وهناك من يختلف عنه بدرجة تجعله يُصنف متباينًا عصبيًا.
أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيبدأ من فرضية مختلفة حيث لا يوجد بناء عصبي واحد للشخصية يمثل الإنسان الطبيعي ثم توجد حوله مجموعة من الأبنية المختلفة عنه، وإنما توجد أبنية عصبية وراثية متعددة تمثل في ذاتها أشكالًا طبيعية مختلفة للبناء البشري.
فالمنهج يقسم الشخصيات إلى تسعة أبنية عصبية وراثية أساسية: الحدية (المبدعة)، والنرجسية (القيادية)، والمعادية (المقتصة)، والارتيابية (الشرطية)، والتجنبية (المجتهدة)، والهستيرية (الإعلامية)، والوسواسية (المنهجية)، وشبه الفصامية (غير المألوفة)، والفصامية (المستقرة). كما يمكن لهذه الشخصيات أن توجد في تركيبات ثنائية وثلاثية، بحيث ينتج عن التركيب بناء يعمل كوحدة متكاملة وليس مجرد جمع حسابي لصفات شخصيتين أو ثلاث.
وبالتالي عندما نجد شخصين يختلفان بصورة واضحة في النشاط الذهني، أو طريقة اتخاذ القرار، أو الاستجابة للخطر، أو معالجة العلاقات، أو الحاجة إلى الخصوصية، أو التعامل مع المثيرات والبيئة، فإن المنهج لا يبدأ بالسؤال: أيهما أقرب إلى النمط العصبي الطبيعي؟ بل يسأل: ما البناء العصبي الوراثي لكل منهما وما الوظيفة التي يؤديها هذا الاختلاف داخل هذا البناء؟
وهذا التحول في السؤال يغير طريقة فهم الاختلاف جذريًا.
ففي النموذج الذي يقوم على المقارنة بين النمطي عصبيًا (Neurotypical) والمتباين عصبيًا (Neurodivergent)، قد تصبح مجموعة من الخصائص العصبية والمعرفية هي التي تضع الإنسان على أحد جانبي التصنيف. أما في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فقد تكون الخاصية نفسها طبيعية تمامًا داخل بناء معين لأنها جزء من طريقة عمله الأساسية.
ومن هنا يرفض المنهج أن يكون المتوسط هو المعيار الذي نحدد على أساسه سلامة البناء العصبي. فالمتوسط الإحصائي يخبرنا بما هو أكثر شيوعًا داخل مجموعة معينة، لكنه لا يثبت أن ما هو أكثر شيوعًا يمثل النموذج البيولوجي الصحيح الذي ينبغي أن تعمل جميع الأدمغة مثله. فإذا كانت هناك أبنية عصبية وراثية متعددة أصلًا، فمن المتوقع أن تختلف في بعض الوظائف والاستجابات دون أن يعني ذلك أن أحدها طبيعي والآخر منحرف عنه.
لكن هذه النقطة تقود إلى فارق آخر شديد الأهمية. فمنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا ينتقل من رفض اعتبار كل اختلاف مرضًا إلى اعتبار كل ما يوصف حاليًا بأنه تباين عصبي (Neurodivergence) مجرد اختلاف طبيعي.
إن المنهج يفصل بين ثلاثة مستويات ينبغي ألا تختلط: البناء العصبي الوراثي الطبيعي، والمشكلات الناتجة عن عدم إدارة هذا البناء بصورة مناسبة، والمرض الحقيقي الذي يمكن أن يصيب الإنسان أيًا كان بناؤه العصبي. وهذا الفصل بالغ الأهمية لأن إزالة الصفة المرضية عن الاختلاف الطبيعي لا ينبغي أن تؤدي في الاتجاه المعاكس إلى إزالة الصفة المرضية عن مرض حقيقي.
ويظهر ذلك بوضوح في التوحد. فقد أصبح اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder) من أشهر الأمثلة المستخدمة عند الحديث عن الأشخاص المتباينين عصبيًا (Neurodivergent). أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيتعامل مع المسألة بصورة مختلفة، فهو يعتبر أن هناك مرضًا محددًا هو التوحد، لكنه يرى أن اتساع مفهوم الطيف قد يؤدي إلى إدراج اختلافات ناتجة عن أبنية عصبية طبيعية مختلفة تحت المسمى نفسه.
وبالتالي لا تكون الخطوة العلمية الأولى هي البحث عن الاختلافات بين مجموعة مصنفة بأنها «توحد» ومجموعة أخرى «طبيعية»، لأن المجموعتين قد تضمان أصلًا تراكيب مختلفة من الأبنية العصبية الوراثية. فقد يكتشف الباحث اختلافًا عصبيًا حقيقيًا بين المجموعتين، لكنه لا يستطيع بسهولة معرفة ما إذا كان هذا الاختلاف ناتجًا عن مرض التوحد نفسه أم عن اختلاف البناء العصبي الوراثي للشخصيات الموجودة في كل مجموعة.
ومن منظور المنهج ينبغي أولًا تحديد البناء العصبي الوراثي الأساسي لكل شخص، ثم دراسة من لديهم مرض التوحد داخل الأبنية المختلفة. وعندها يصبح السؤال أكثر دقة وهو ما الخصائص الموجودة بسبب البناء العصبي الطبيعي لهذا الإنسان، وما التغيرات التي أضافها المرض إليه؟
ويظهر الاختلاف بطريقة أخرى عند التعامل مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وهو أيضًا من أكثر الحالات ارتباطًا بمفهوم التباين العصبي (Neurodivergence). ففي الممارسة الحالية يُنظر إلى صعوبات تنظيم الانتباه وفرط الحركة والاندفاع باعتبارها مكونات أساسية لاضطراب نمائي عصبي.
أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيقدم قراءة مختلفة لجزء أساسي من هذه الظواهر، ويربطها بالنشاط الذهني والطاقة المرتفعين في الشخصية الحدية (المبدعة). فالعقل الذي يعمل بنشاط مرتفع ويتعامل باستمرار مع عدد كبير من الأفكار والمثيرات قد يبدو من الخارج مشتتًا، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية في عدم تعلم صاحبه كيفية إدارة هذا النشاط وتوجيهه، لا في وجود عجز أصلي في القدرة على الانتباه.
وهنا يصبح الفرق بين المنظورين ذا أثر علاجي وتربوي مباشر. فإذا بدأنا من أن الإنسان متباين عصبيًا (Neurodivergent) بسبب وجود اضطراب في تنظيم الانتباه، فسوف يتركز الاهتمام على التعامل مع أعراض هذا الاضطراب. أما إذا بدأنا من أن النشاط الذهني المرتفع جزء من بناء عصبي وراثي طبيعي، فسوف يصبح الهدف فهم هذا النشاط وتدريب صاحبه على إدارته وتوجيهه والاستفادة من قدراته، مع معالجة المشكلات الحقيقية التي تنتج عندما يفشل في هذه الإدارة.
ولا يعني ذلك إنكار المعاناة أو الصعوبات الوظيفية، فالمنهج لا يقول إن كل ما هو وراثي سهل أو إيجابي ولا أن الإنسان لا يحتاج إلى تدخل لمجرد أن خاصية ما جزء من بنائه. فقد تكون الخاصية طبيعية بينما تكون طريقة التعامل معها غير فعالة وتنتج مشكلات حقيقية في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو الصحة النفسية. وهنا يأتي مفهوم إعادة بناء الشخصية الوراثية في المنهج، أي تطوير المهارات والأنماط المعرفية والسلوكية التي تسمح للإنسان بإدارة بنائه العصبي بصورة أكثر كفاءة، دون افتراض أن الهدف هو محو خصائص هذا البناء وتحويله إلى نموذج عصبي آخر.
وهذا يوضح أيضًا أن البيئة تحتفظ بدور بالغ الأهمية في المنهج، رغم أن البناء الأساسي وراثي. فالبيئة لا تحتاج إلى صناعة الشخصية من الصفر حتى يكون تأثيرها قويًا. الإنسان يولد ببناء عصبي له احتياجات وقدرات ونقاط ضعف، ثم تحدد التربية والخبرات والتعليم إلى حد بعيد ما إذا كان سيتعلم إدارة هذا البناء أم سيظل يصطدم بخصائصه طوال حياته.
ومن هنا تختلف أيضًا النظرة إلى العلاج. فليس السؤال دائمًا: كيف نجعل الإنسان المختلف أقرب إلى الإنسان النمطي عصبيًا (Neurotypical)؟ وإنما: كيف نجعل هذا الإنسان قادرًا على تشغيل بنائه العصبي بأفضل صورة ممكنة، وكيف نميز في الوقت نفسه بين الخصائص الطبيعية لهذا البناء وبين المشكلات المكتسبة أو الأمراض الحقيقية التي تحتاج إلى علاج؟
وهذا الفارق يمنع خطأين متعاكسين، الخطأ الأول هو مرضنة الاختلاف الطبيعي، أي اعتبار كل اختلاف عن المتوسط اضطرابًا. والخطأ الثاني هو تطبيع المرض، أي اعتبار كل اضطراب أو عجز أو تغير مرضي مجرد صورة أخرى من صور التنوع العصبي لا تحتاج إلى فهم سببي أو تدخل علاجي.
منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يحاول وضع الحد بين الاثنين في مكان مختلف: التنوع موجود أصلًا داخل الأبنية العصبية الطبيعية، ولذلك لا نحتاج إلى المرض لكي نفسر اختلاف البشر. وفي الوقت نفسه وجود التنوع الطبيعي لا يلغي إمكانية حدوث المرض.
وهنا يمكن فهم أعمق نقطة اختلاف بين المنهج ومفهوم النمطي عصبيًا (Neurotypical) والمتباين عصبيًا (Neurodivergent) في صورته الحالية. فالتنوع العصبي المعاصر حقق خطوة مهمة عندما قال إن الاختلاف عن النمط الشائع لا ينبغي أن يُعامل تلقائيًا باعتباره نقصًا. أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيذهب خطوة مختلفة، فيسأل: لماذا نحتاج أصلًا إلى بناء عصبي واحد نجعله نقطة المرجع؟
إذا كانت الشخصية ذات أصل عصبي وراثي، وإذا كانت هناك أبنية متعددة يولد بها البشر، فإن البحث العلمي يحتاج إلى تحديد هذه الأبنية أولًا قبل أن يستطيع تفسير الاختلافات التي يجدها في التصوير العصبي أو الانتباه أو الاستجابة الانفعالية أو معالجة المعلومات.
وهذا الأمر لا يخص علم النفس وحده، بل قد يغير أيضًا تصميم الأبحاث العصبية. فكثير من الدراسات تقارن مجموعة مشخصة باضطراب معين بما يسمى المجموعة الضابطة السليمة، ثم تعتبر الفروق التي تظهر بين المجموعتين مرتبطة بالاضطراب. لكن إذا كانت المجموعة الضابطة نفسها تتكون من أبنية عصبية وراثية متعددة، وكذلك المجموعة المشخصة، فإن جزءًا من الاختلافات أو التباينات التي تظهر في النتائج قد يعود إلى تركيب المجموعتين لا إلى المرض الذي تجري دراسته.
وهنا يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فرضية يمكن اختبارها عمليًا: تحديد البناء العصبي الوراثي للمشاركين أولًا، ثم إعادة إجراء المقارنات داخل البناء الواحد وبين الأبنية المختلفة. فإذا اختفت بعض الفروق التي كانت تُنسب سابقًا إلى الاضطراب، فقد تكون في الأصل خصائص للبناء العصبي. وإذا بقيت فروق أخرى بعد ضبط البناء، تصبح مرشحة بصورة أقوى لأن تكون مرتبطة بالحالة المرضية نفسها.
وبذلك لا يكون الخلاف بين مفهوم التباين العصبي (Neurodivergence) ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية خلافًا حول احترام الاختلاف أو قبوله، فكلاهما يستطيع أن يرفض النظر إلى الإنسان المختلف باعتباره أقل قيمة. الخلاف الحقيقي يتعلق بالسؤال العلمي السابق على ذلك كله: ما طبيعة الاختلاف نفسه؟
هل يوجد نمط عصبي أساسي يسمى النمطي عصبيًا (Neurotypical) ثم توجد حالات متباينة عصبيًا (Neurodivergent) عنه؟ أم أن البشر منذ البداية موزعون على أبنية عصبية وراثية طبيعية متعددة، وأن المهمة العلمية الأولى هي التعرف إلى هذه الأبنية قبل تحديد ما هو اختلاف طبيعي، وما هو سوء إدارة للبناء، وما هو مرض؟
وفق منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، الإجابة الثانية هي نقطة البداية.
ومن هنا يصبح المطلوب مستقبلًا ليس مجرد توسيع مساحة التنوع العصبي (Neurodiversity) لتضم مزيدًا من الاختلافات، وإنما بناء خريطة أدق للتنوع العصبي الطبيعي نفسه. خريطة تستطيع أن تقول لنا كيف تختلف الأبنية العصبية الوراثية، وما الوظائف التي يؤديها كل بناء، وما نقاط قوته وضعفه، وكيف تظهر تركيباته المختلفة، ثم تضع المرض في مكانه الصحيح فوق هذه الخريطة بدل أن تستخدم المرض وسيلة لتقسيم البشر إلى نمطيين ومتباينين.
عندها قد لا يصبح السؤال: هل هذا الإنسان نمطي عصبيًا (Neurotypical) أم متباين عصبيًا (Neurodivergent)؟
بل يصبح السؤال الأكثر دقة:
ما بناؤه العصبي الوراثي؟ وما الذي ينتمي طبيعيًا إلى هذا البناء، وما الذي يحتاج إلى إدارة أفضل، وما الذي يمثل مرضًا حقيقيًا طرأ عليه؟
وهذا التحول في السؤال هو جوهر الفارق بين الممارسات الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية.










