أبحاثنفسية

بحث جديد يكشف ستة أنماط عصبية للاكتئاب.. ماذا تعني النتائج في ضوء منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية؟

من المشكلات الأساسية التي واجهت الطب النفسي طويلًا أنه يجمع أشخاصًا مختلفين تحت التشخيص نفسه عندما تتقاطع لديهم مجموعة من الأعراض، ثم يحاول التعامل معهم كما لو أن هذه الأعراض صدرت عن آلية واحدة. لكن تطور وسائل دراسة الدماغ بدأ يكشف بالتدريج أن التشابه في الصورة الظاهرة لا يعني بالضرورة التشابه في الطريقة التي يعمل بها الدماغ خلف هذه الصورة.

وتقدم دراسة قادها باحثون من كلية الطب بجامعة ستانفورد مثالًا مهمًا على هذا التحول. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص المصنفين ضمن الاكتئاب والقلق لا يمثلون مجموعة عصبية متجانسة، وإنما أمكن تقسيمهم إلى ستة أنماط بيولوجية عصبية مختلفة استنادًا إلى طريقة عمل واتصال مجموعة من الدوائر الدماغية.

وهنا تكمن أهمية الدراسة بالنسبة إلى منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فالقيمة الأكبر للنتيجة ليست في الرقم ستة في ذاته، ولا في محاولة مطابقة هذه الأنماط بأنواع الشخصيات التي وضعتها في المنهج، وإنما في المبدأ الذي تكشفه الدراسة، حيث إن التشخيص الظاهري الواحد يمكن أن يخفي وراءه أكثر من تنظيم عصبي مختلف.

ماذا فعل الباحثون؟

استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI لدراسة 801 شخص يعانون الاكتئاب أو القلق، وكان المشاركون غير متلقين للعلاج وقت التصوير. ولم يكتف الباحثون بتصوير الدماغ أثناء الراحة، بل درسوه أيضًا أثناء أداء مهام معرفية وانفعالية، بما يسمح برؤية الاختلاف في نشاط الدوائر العصبية واتصالها في أكثر من حالة وظيفية. ثم استخدموا تحليلًا حاسوبيًا لتجميع الأشخاص بحسب أنماط الخلل التي ظهرت في هذه الدوائر، بدلًا من تقسيمهم فقط بحسب أسماء التشخيصات أو قوائم الأعراض.

والنتيجة كانت ستة أنماط عصبية مختلفة، تميزت باختلافات في الاتصال الوظيفي داخل شبكات من بينها شبكة الوضع الافتراضي Default Mode Network، وشبكة البروز Salience Network، وشبكات الانتباه الجبهية الجدارية، بالإضافة إلى اختلافات في النشاط والاتصال في مناطق جبهية وتحت قشرية أثناء أداء المهام الانفعالية والمعرفية. ولم تكن هذه الاختلافات العصبية مجرد اختلافات ظهرت في الصور، فقد ارتبطت أيضًا باختلافات في الأعراض والأداء المعرفي والانفعالي، والأهم من ذلك أنها ارتبطت باختلاف الاستجابة للعلاج.

التشخيص واحد ولكن العلاج لم يكن واحدًا

درس الباحثون أيضًا بيانات 250 مشاركًا جرى توزيعهم عشوائيًا على علاجات دوائية أو علاج سلوكي، وظهرت اختلافات بين الأنماط العصبية في الاستجابة لهذه التدخلات. فأحد الأنماط الذي اتسم بفرط النشاط في مناطق مرتبطة بالعمليات المعرفية أظهر استجابة أفضل للفينلافاكسين مقارنة ببعض الأنماط الأخرى. وفي نمط آخر ارتبط شكل معين من النشاط الدماغي أثناء الراحة باستجابة أفضل للعلاج السلوكي، بينما كان نمط يتسم بانخفاض النشاط في دائرة مرتبطة بالانتباه أقل استفادة من العلاج السلوكي مقارنة بغيره.

وهذه النتيجة شديدة الأهمية، لأنها تعني أن شخصين يحملان التشخيص نفسه لا يختلفان بالضرورة فقط في شدة الاكتئاب، وإنما قد يكون الاختلاف بينهما أعمق من ذلك: المنظومة العصبية التي أنتجت الأعراض ليست واحدة، ولذلك قد لا يكون العلاج الأنسب لهما واحدًا.

أين تلتقي هذه النتيجة مع منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية؟

منذ بناء منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، لم أتعامل مع العرض النفسي باعتباره وحدة مستقلة يمكن فهمها بمعزل عن البناء الذي أنتجه. فالقلق أو الانسحاب أو الاجترار أو الاندفاع أو فقدان الدافعية أو غيرها من المظاهر لا تخبرنا وحدها بالطريقة التي يعمل بها الإنسان، لأن السلوك المتشابه يمكن أن يكون الناتج النهائي لمسارات داخلية مختلفة. وهذه إحدى المشكلات التي تنشأ عندما يبدأ التشخيص من العرض ثم يعود منه لاستنتاج طبيعة الإنسان الذي أنتجه.

أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيبدأ من اتجاه مختلف أساسه الآتي:

  • ما البناء الأساسي الذي يعمل به هذا الإنسان؟
  • وما الوظائف ذات الأولوية داخله؟ وكيف يتفاعل هذا البناء مع الظروف والخبرات والضغوط؟
  • ثم ما الصورة التي يمكن أن تنتج عندما يتعرض هذا البناء للاضطراب؟

ولهذا فإن وجود أشخاص يحملون تشخيص الاكتئاب نفسه بينما تكشف أدمغتهم أنماطًا مختلفة من عمل الدوائر العصبية لا يبدو من منظور المنهج نتيجة غريبة، بل يتفق مع مبدأ أساسي فيه: التشابه في النتيجة النفسية الظاهرة لا يستلزم التطابق في البناء الذي أدى إليها.

الأهم: الدراسة تبحث عن الشبكات لا عن منطقة الاكتئاب

هناك جانب آخر في الدراسة أراه مهمًا للغاية. فالباحثون لم يبحثوا عن منطقة واحدة في الدماغ ويقولوا إن نشاطها هو المسؤول عن الاكتئاب، وإنما درسوا دوائر وشبكات واتصالات وظيفية، ثم صنفوا الأفراد وفق الصورة التي تعمل بها هذه الدوائر مجتمعة. وهذا الاتجاه أقرب إلى التصور الذي يقوم عليه منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، والذي لا يفترض أن لكل شخصية منطقة منفردة في الدماغ، وإنما أن الاختلاف يكمن في تنظيم المنظومة العصبية وطريقة عمل مكوناتها واتصالها وأولوياتها الوظيفية.

وهنا يصبح السؤال العلمي أكثر تقدمًا من السؤال القديم: أين يوجد الاكتئاب في الدماغ؟

السؤال يصبح: كيف تعمل مجموعة من الدوائر العصبية لدى هذا الإنسان تحديدًا، وما النمط الذي تنتجه علاقاتها ببعضها؟

وهذا تحول مهم لأن الدماغ لا يعمل باعتباره مجموعة مراكز مستقلة، وإنما من خلال أنظمة مترابطة تتغير النتيجة النهائية بحسب طريقة تنظيم النشاط والتواصل بينها.

لكن الدراسة لم تصل بعد إلى مستوى الشخصية

وهنا يجب التمييز بين ما أثبتته الدراسة وما يمكن تفسيره من خلال المنهج. الدراسة لم تدرس أنواع الشخصية في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، ولم تختبر ما إذا كانت الأنماط الستة ناتجة عن اختلاف الشخصيات الموروثة. كما أنها لم تثبت أن الشخصيات التي وضعتها في المنهج هي السبب في اختلاف أنماط الاكتئاب التي وجدتها. لكنها تكشف شيئًا يقع في الاتجاه نفسه الذي يقوم عليه المنهج: أن الفئة التشخيصية الواحدة لا تعني وجود تنظيم عصبي واحد خلفها. وهنا يمكن لمنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أن يطرح السؤال التالي الذي لم تكن هذه الدراسة مصممة للإجابة عنه: لماذا ظهر هؤلاء الأشخاص أصلًا بهذه التنظيمات العصبية المختلفة رغم وقوعهم تحت تشخيص نفسي واحد؟

ومن منظور المنهج، يصبح من الضروري قبل جمع المصابين بالاكتئاب في مجموعة واحدة أن نعرف البناء العصبي الوراثي الأساسي لكل شخص قبل ظهور الاكتئاب. فإذا كانت الشخصية الحدية (المبدعة)، على سبيل المثال، تختلف في بنيتها ووظائفها الأساسية عن الشخصية التجنبية (المجتهدة)، أو النرجسية (القيادية)، أو الارتيابية (الشرطية)، فمن غير المتوقع في إطار المنهج أن يؤدي الضغط النفسي أو الاكتئاب إلى صورة عصبية متطابقة لدى الجميع. بل يمكن أن يكون ما نسميه الاكتئاب هو الناتج النهائي المشترك لاختلالات حدثت داخل منظومات مختلفة أصلًا.

وهنا توجد فرضية بحثية مهمة يمكن اختبارها مستقبلًا: إذا جرى تحديد البناء العصبي الوراثي للشخصية أولًا، ثم تصوير الدماغ لدى أشخاص من أنواع مختلفة أثناء الحالة الطبيعية وأثناء الاكتئاب، فهل سنجد أن الطريق العصبي إلى الأعراض الاكتئابية يختلف بصورة منتظمة باختلاف البناء الأساسي للشخصية؟ هذا السؤال لم تجب عنه دراسة ستانفورد، لكنه أحد الأسئلة التي يمكن اشتقاقها مباشرة من المنهج واختبارها علميًا.

اختلاف الاستجابة للعلاج يصبح أكثر قابلية للفهم

وهذا التصور يمكن أن يفسر أيضًا مشكلة قديمة في الطب النفسي وهو لماذا يتحسن شخص بعلاج معين بينما لا يستفيد منه شخص آخر يحمل التشخيص نفسه؟

دراسة ستانفورد أظهرت بالفعل أن الأنماط العصبية المختلفة ارتبطت باستجابات علاجية مختلفة. وهذا يعني أن اسم التشخيص وحده لا يحمل كل المعلومات اللازمة لاختيار التدخل المناسب.

وفي منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يمكن دفع هذا السؤال خطوة أخرى إلى الخلف: إذا اختلف البناء الأساسي الذي دخل في الحالة المرضية، فمن المنطقي البحث عما إذا كان الطريق إلى إخراجه منها ينبغي أن يختلف أيضًا. وهنا تتغير فكرة العلاج النفسي نفسها. فبدلًا من السؤال فقط: ما العلاج المناسب للاكتئاب؟ يصبح السؤال الأكثر دقة: من هو الإنسان المصاب بالاكتئاب؟ وما البناء الذي يعمل به؟ وما الذي حدث داخل هذا البناء حتى ظهرت هذه الأعراض؟

العلم يقترب من الفرد بعد أن بدأ طويلًا من التشخيص

لعل أهم ما تعكسه هذه الدراسة هو التحول التدريجي من التعامل مع التشخيص باعتباره نهاية عملية الفهم إلى اعتباره بدايتها. فأن نقول إن شخصًا مصاب بالاكتئاب يصف حالة مهمة، لكنه لا يخبرنا بالضرورة بكل ما نحتاج إلى معرفته عن الآلية التي أنتجتها. وعندما تستطيع دراسة باستخدام التصوير الوظيفي للدماغ أن تأخذ أشخاصًا وُضعوا داخل الفئات التشخيصية نفسها، ثم تكشف بينهم ستة أنماط مختلفة من عمل الدوائر العصبية، فإننا نرى بوضوح أن التصنيف بالأعراض قد يجمع في الاسم الواحد حالات ليست متطابقة على المستوى العصبي.

وهذه النتيجة تلتقي مع أحد الخطوط الرئيسية في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فلا يمكن الوصول إلى فهم دقيق للإنسان من العرض وحده، لأن العرض هو ناتج المنظومة وليس المنظومة نفسها. والخطوة التي أرى أن البحث العلمي يحتاج إليها بعد ذلك هي ألا يدرس فقط كيف يختلف دماغ المصاب بالاكتئاب عن غير المصاب به، ولا حتى كيف تختلف أدمغة المصابين بالاكتئاب بعضهم عن بعض، وإنما أن يعود إلى مستوى أسبق:

كيف كان هذا الدماغ منظمًا أصلًا قبل المرض؟

فإذا استطعنا تحديد التنظيم الأساسي للإنسان، ثم تتبع الطريقة التي يتغير بها هذا التنظيم تحت الضغط والمرض، فقد ننتقل من تصنيف الناس بحسب الأعراض التي وصلوا إليها، إلى فهم المسارات المختلفة التي أوصلتهم إلى العرض نفسه. وهنا تحديدًا يمكن أن يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فرضيات جديدة للبحث: أن اختلاف الاستجابة النفسية والعصبية للضغط والمرض لا يبدأ بالضرورة عند لحظة ظهور الاضطراب، وإنما قد يبدأ من اختلاف أسبق في البناء العصبي الوراثي الذي يستقبل التجربة ويعالجها ويستجيب لها.

البحث: Personalized brain circuit scores identify clinically distinct biotypes in depression and anxiety

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى