لسنوات طويلة ظل أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل في علم النفس هو إلى أي مدى نصنع شخصياتنا وإلى أي مدى نولد بها؟ هل الإنسان يصبح اجتماعيًا أو منظمًا أو شديد الحساسية أو محبًا للتجربة بسبب التربية والبيئة والخبرات التي مر بها، أم أن هناك أساسًا بيولوجيًا سابقًا لهذه الصفات؟
دراسة ضخمة نُشرت في مجلة Nature في سبتمبر 2026 تضع هذا السؤال في مستوى جديد تمامًا. فبدلًا من الاكتفاء بدراسات التوائم أو ملاحظة التشابه بين أفراد العائلات، بحث فريق دولي ضخم مباشرة داخل الجينوم البشري، وانتهى إلى تحديد 1260 متغيرًا جينيًا مرتبطًا بسمات الشخصية، كان 824 منها في مواقع لم تكن مرتبطة سابقًا بالسمة المعنية. واللافت ليس الرقم وحده وإنما أن الدراسة اعتمدت بحسب السمة التي يجري تحليلها على بيانات تراوحت بين 611 ألف شخص وأكثر من 1.1 مليون شخص ضمن 46 مجموعة بحثية.
هذه النتيجة مهمة في حد ذاتها لكنها تصبح أكثر أهمية إذا قرأناها من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، لأن المنهج ينطلق أساسًا من فرضية أن الشخصية ليست مجرد مجموعة من السلوكيات التي يصنعها المجتمع بعد الولادة، وإنما تقوم في أصلها على بناء عصبي موروث يولد الإنسان باستعداداته الأساسية الثابتة في كل شخصية من التسع شخصيات الوراثية ثم تتدخل البيئة والخبرات والتربية في كيفية التعبير عن هذا البناء وإدارته وتطويره.
والبحث الجديد لا يثبت منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية بوصفه نموذجًا كاملًا ولا يختبر تقسيماته تحديدًا لكنه يقدم دليلًا واسع النطاق على إحدى أهم مقدماته الأساسية وهو وجود مكوّن جيني قابل للقياس يرتبط بالفروق المستقرة في الشخصية البشرية.
وقد استخدم الباحثون في الدراسة نموذج العوامل الخمسة الكبرى أو Big Five، الذي يقسم سمات الشخصية إلى الانفتاح على الخبرة، والضمير الحي أو الاجتهاد، والانبساط، والتوافق، والعصابية. وهذا التصنيف يختلف جذريًا عن تصنيف الشخصيات في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، ولذلك لا يمكن التعامل مع نتائج الدراسة باعتبارها إثباتًا مباشرًا لأنواع الشخصيات التي يحددها المنهج. لكنها تقدم شيئًا أسبق من التصنيف نفسه: دليلًا جينيًا واسعًا على أن الاختلافات الشخصية المستقرة ترتبط بالفعل باختلافات في الجينوم.
والأكثر إثارة للاهتمام أن العلماء لم يجدوا جين الشخصية، على العكس تمامًا وجدوا أن الشخصية متعددة الجينات بصورة شديدة التعقيد. فكل متغير جيني منفرد كان تأثيره صغيرًا للغاية، لكن التأثير يصبح أكثر أهمية عندما تعمل أعداد كبيرة من المتغيرات معًا. وهذا التفصيل مهم للغاية لأنه يبعدنا عن التصور المبسط الذي يبحث عن جين للانبساط وآخر للخجل وثالث للمغامرة ويقربنا من تصور الشخصية باعتبارها ناتجًا لبناء بيولوجي معقد تشترك في تكوينه أعداد كبيرة من المتغيرات الجينية.
وهنا تحديدًا تصبح المقارنة مع منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية مثيرة للاهتمام. فالمنهج لا يفترض أن صفة سلوكية منفردة تمثل الشخصية، وإنما يتعامل مع الشخصية باعتبارها منظومة عصبية متكاملة ينتج عنها نمط معين من النشاط الذهني والانفعالي وطريقة معالجة المعلومات والتفاعل مع البيئة. ومن ثم فإن اكتشاف أن الشخصية لا ترتبط بجين منفرد وإنما بشبكة واسعة من الاختلافات الجينية يمكن قراءته باعتباره أكثر اتساقًا مع فكرة البناء من فكرة البحث عن سبب بيولوجي منفرد لكل سلوك.
لكن البحث يقدم ملاحظة أخرى شديدة الأهمية، فالارتباطات الجينية لم تكن ظاهرة داخل مجموعة محدودة من البشر فقط، وإنما وجد الباحثون قدرًا كبيرًا من الاتساق عند المقارنة عبر العمر والموقع الجغرافي وأدوات القياس المختلفة وحتى عند مقارنة تقييم الإنسان لنفسه بتقييم شخص قريب منه. كما استخدم الباحثون تحليلات داخل العائلات للمساعدة في اختبار ما إذا كانت الارتباطات الظاهرة يمكن تفسيرها ببساطة بكون أفراد الأسرة يعيشون في البيئة نفسها.
وهذه نقطة محورية لأن أحد الاعتراضات التقليدية على الدراسات التي تربط الشخصية بالوراثة هو صعوبة الفصل بين الجينات والبيئة. فالطفل لا يرث جينات والديه فقط وإنما يعيش غالبًا داخل بيئتهما أيضًا. أما العثور على ارتباطات تستمر في التحليلات داخل العائلات وإن كانت أضعف في بعض الحالات فيدعم وجود مكوّن وراثي حقيقي لا يمكن اختزاله بالكامل في التربية المشتركة.
ومع ذلك فإن الدراسة لا تقول إن الشخصية محددة جينيًا بصورة حتمية. وهذه نقطة يجب التأكيد عليها حتى لا تُقرأ النتائج بصورة تتجاوز ما أثبته الباحثون. فقد قدّرت الدراسة أن المتغيرات الجينية الشائعة المقاسة فسرت نحو 4.8% إلى 9.3% من التباين المقاس في السمات الخمس، وترتفع التقديرات إلى نحو 9.3–13.3% عند أخذ موثوقية أدوات القياس المعتادة في الاعتبار. وهذا يعني أن الجينات التي استطاعت الدراسة قياسها تفسر جزءًا من الاختلاف بين الناس وليس الشخصية بأكملها.
ومن منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية لا يمثل هذا بالضرورة تعارضًا مع فكرة وجود أساس وراثي للشخصية، لأن هناك فارقًا مهمًا بين وراثة البناء وبين قياس السلوك الناتج عنه. فالاستبيان لا يقيس الدماغ أو التركيب العصبي مباشرة، وإنما يقيس مظاهر سلوكية يعبّر الإنسان من خلالها عن نفسه في لحظة معينة، وهذه المظاهر يمكن أن تتأثر بالتربية والثقافة والعمر والخبرة والظروف الاجتماعية والقدرة على إدارة السمات الأصلية.
وهنا قد تظهر واحدة من أهم الأسئلة التي يطرحها البحث إذا قرأناه من خلال المنهج: هل المشكلة المقبلة للعلم هي اكتشاف مزيد من الجينات، أم إعادة النظر في الطريقة التي نصنف بها الشخصية نفسها؟
فالباحثون يربطون الجينات بدرجات على خمسة أبعاد واسعة، أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيطرح تصورًا مختلفًا: أن ما نراه من صفات قد يكون مخرجات لبنى عصبية وراثية محددة، وأن فهم الشخصية لا يتحقق بالضرورة بتجميع الصفات الظاهرة، وإنما بتحديد البناء الذي ينتجها.
وبالتالي يمكن أن يصبح البحث الجيني مستقبلًا أداة لاختبار التصنيفات النفسية نفسها. فإذا كان هناك بناء عصبي وراثي حقيقي وراء الشخصية، فمن المفترض مع تطور الدراسات الجينومية والعصبية أن تظهر أنماط من التجمع والترابط بين المتغيرات الجينية والوظائف العصبية والسمات المعرفية والسلوكية، لا مجرد ارتباطات منفصلة بين جين وصفة.
لكن الدراسة الجديدة تذهب إلى أبعد من الشخصية نفسها، فقد وجد الباحثون أن الأنماط الجينية المرتبطة بسمات الشخصية تتقاطع أيضًا مع أنماط مرتبطة بالصحة والتعليم والعمل والدخل والعادات اليومية وغيرها من النتائج الحياتية. ووجدوا على سبيل المثال علاقات جينية بين بعض سمات الشخصية وأنماط النشاط خلال اليوم، وبين الانفتاح والانبساط والميل إلى النشاط في ساعات متأخرة، فضلًا عن ارتباطات مع مؤشرات صحية ومهنية متعددة.
وهذا الجانب من البحث يفتح بابًا أوسع بكثير أمام منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فإذا كانت الشخصية ناتجة عن بناء عصبي أساسي فمن المنطقي ألا تظهر آثار هذا البناء فقط عندما يجيب الإنسان عن استبيان للشخصية. بل يُفترض أن تمتد آثاره إلى طريقة تنظيم حياته واختياراته وعلاقته بالعمل واستجابته للبيئة وربما إلى بعض المسارات الصحية المرتبطة بالسلوك والفسيولوجيا وهو ما يقدمه المنهج بالتفصيل.
وهنا يبدأ الحد الفاصل بين «الشخصية» و«الحياة» في أن يصبح أقل وضوحًا. فالإنسان لا يحمل شخصيته في جزء منفصل من دماغه ثم يضعها جانبًا عندما يعمل أو يختار شريكًا أو يتعامل مع الضغط أو يقرر أين يعيش. البناء الذي يؤثر في طريقة تفكيره وانفعاله واتخاذه للقرار يرافقه في كل هذه المواقف.
ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام في هذا السياق أن الباحثين وجدوا مثالًا على العلاقة المتبادلة بين الوراثة والبيئة فالمتغيرات المرتبطة بالانفتاح على الخبرة ارتبطت أيضًا بزيادة احتمال انتقال الشخص إلى مناطق أكثر عالمية وتنوعًا، ثم تصبح البيئة التي اختارها بنفسه عاملًا يمكن أن يعزز بدوره بعض السمات أو طرق التعبير عنها.
وهذا يقدم نموذجًا أكثر نضجًا بكثير من الصراع القديم بين الوراثة أم البيئة. فربما كان السؤال نفسه خاطئًا، الإنسان قد يولد ببناء يجعله أكثر ميلًا إلى اختيار بيئات معينة، ثم تقوم هذه البيئات بتطوير بعض جوانب البناء الذي دفعه إليها أصلًا. أي أن الجينات والبيئة لا تعملان بالضرورة كقوتين متعارضتين، بل تدخلان في دائرة مستمرة من التأثير المتبادل.
ومن هنا يمكن أن يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية قراءة أكثر عمقًا للنتيجة. فالبيئة لا تحتاج إلى أن تصنع الشخصية من الصفر حتى يكون لها تأثير بالغ فيها. يمكن أن يكون البناء الأساسي موروثًا بينما تحدد البيئة إلى حد بعيد كيف سيظهر هذا البناء في الحياة هل ستُستثمر نقاط قوته؟ هل ستتفاقم نقاط ضعفه؟ هل يتعلم صاحبه إدارة خصائصه؟ وهل يجد البيئة التي تناسب طريقته العصبية في العمل أم يعيش سنوات في صراع معها؟
ولعل أهم ما في البحث الجديد أنه ينقل وراثة الشخصية خطوة أخرى من مجال الاستنتاج إلى مجال القياس المباشر. فالعلم لم يعد يعتمد فقط على حقيقة أن التوائم المتطابقة تتشابه في بعض سمات الشخصية أكثر من غيرها، وإنما أصبح قادرًا على الدخول إلى الجينوم نفسه وتحديد أكثر من ألف موضع ترتبط اختلافاته إحصائيًا باختلافات في الشخصية، باستخدام عينات تجاوزت المليون إنسان لبعض السمات.
لكن هذه النتائج، على ضخامتها، قد تكون بداية السؤال وليست نهايته، فالعلم استطاع أن يقول الآن بدرجة أكبر من الثقة أن هناك علاقة واسعة ومعقدة بين الاختلافات الجينية والاختلافات في الشخصية. لكنه لم يصل بعد إلى نموذج يشرح كيف تتجمع هذه الاختلافات الجينية لتنتج بناءً عصبيًا متكاملًا، وكيف ينتج هذا البناء بدوره النمط المستقر الذي نراه في التفكير والانفعال والسلوك.
وهذه بالتحديد هي المساحة التي يصبح فيها الحوار بين نتائج علم الجينوم ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية مهمًا. فالمنهج يطرح فرضية متكاملة وشاملة تتجاوز السؤال: «هل الشخصية وراثية؟» إلى سؤال أكثر تحديدًا: ما الذي يُورث تحديدًا، وكيف ينتظم هذا الموروث في بناء عصبي ينتج الشخصية؟
ولذلك لا ينبغي تقديم هذا البحث باعتباره إثباتًا نهائيًا للمنهج، فهو لم يختبر الشخصيات التسع التي يقترحها المنهج، ولم يختبر قواعد تركيبها أو انتقالها الوراثي. لكن في الوقت نفسه يصعب تجاهل الاتجاه الذي تتحرك نحوه النتائج من أن الشخصية ليست صفحة بيضاء تكتبها البيئة وحدها، وليست مجرد مجموعة عادات تعلمها الإنسان، بل توجد تحت الاختلافات المستقرة بين البشر طبقة بيولوجية وراثية حقيقية، معقدة ومتعددة الجينات، تمتد ارتباطاتها إلى جوانب كثيرة من حياتهم.
وربما يكون السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة التالية من الأبحاث أكثر إثارة من اكتشاف 1260 متغيرًا جينيًا آخر.
ماذا لو توقفنا عن دراسة جينات كل سمة على حدة، وبدأنا نبحث عن الطريقة التي تتجمع بها هذه الجينات لتكوين أنماط عصبية متكاملة؟
عندها قد ينتقل العلم من جينات سمات الشخصية إلى جينات البناء الذي يصنع الشخصية.
وهنا تحديدًا قد تبدأ المسافة بين علم جينوم الشخصية الحديث ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية في أن تصبح أقصر بكثير.
رابط البحث: https://www.sciencedaily.com/releases/2026/09/260907201554.htm










