البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

الانطوائية والانبساطية بين علم النفس ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

من صفة تُدان إلى تركيب وراثي محايد

تُعدّ الانطوائية والانبساطية من أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب النفسي المعاصر، سواء في الأدبيات الأكاديمية أو في الثقافة العامة. ومع كثرة الاستخدام، حدث خلط واسع بين المفهومين وبين سمات سلوكية أو اضطرابات نفسية أو حتى أحكام أخلاقية واجتماعية غير معلنة. فغدا الانطوائي في نظر كثيرين شخصًا منسحبًا، ضعيف المهارات الاجتماعية، بينما صُوّر الانبساطي على أنه النموذج الصحي أو الناجح اجتماعيًا.

هذا المقال يسعى إلى إعادة ضبط المفهومين من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان، وبيان الفرق الجوهري بين تناولهما في علم النفس التقليدي وتناولهما في هذا المنهج، مع التأكيد على نقطة محورية:

الانطوائية والانبساطية ليستا مشكلة، ولا تحتاجان إلى علاج، ولا تمثلان نقصًا أو ميزة بحد ذاتهما، بل هما صفة وراثية ثابتة في التركيبة العصبية للإنسان، ولكل إنسان الحق الكامل في أن يكون كما هو.

كيف تناول علم النفس الانطوائية والانبساطية؟

في علم النفس، وخصوصًا في مدارس السمات ونماذج القياس، جرى التعامل مع الانطوائية والانبساطية باعتبارهما بُعدًا سلوكيًا على متصل واحد، ينتقل فيه الإنسان من أقصى الانطواء إلى أقصى الانبساط. وغالبًا ما يتم ربط الانبساطية بالمهارات الاجتماعية والقيادة والنجاح المهني في حين تُربط الانطوائية بالتحفظ والانزواء وأحيانًا بالقلق الاجتماعي.

هذا التناول أفرز عدة إشكالات:

  1. تحويل الصفة إلى تقييم قيمي
    حيث بدا وكأن الانبساطية أفضل أو أكثر تكيفًا من الانطوائية.
  2. الخلط بين الصفة والاضطراب
    فاختلطت الانطوائية بالشخصية التجنبية والانبساطية بالشخصية الهستيرية رغم أن كلا الربطين غير صحيحين علميًا.
  3. السعي غير المعلن للتغيير
    كثير من الممارسات النفسية تسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تدريب الانطوائي ليصبح أكثر انبساطًا، وكأن الصفة في ذاتها نقص يحتاج إلى تصحيح.
  4. تجاهل البعد الوراثي العصبي

يتم التعامل مع الانطوائية والانبساطية كسلوك مكتسب أو نمط يمكن تعديله، لا كجزء من البنية العصبية الوراثية.

الانطوائية والانبساطية في منهج البناء العصبي الوراثي

على النقيض من ذلك، ينطلق منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية من مبدأ واضح:

الانطوائية والانبساطية صفة وراثية في التركيبة العصبية، ثابتة، غير قابلة للتغيير، ومحايدة تمامًا.
ليستا مرضًا، ولا خللًا، ولا حتى “نمط شخصية” مستقل، بل آلية شحن واستنزاف للطاقة النفسية والعصبية.

التعريف الوظيفي البسيط

  • الانطوائية
    هي أن يشحن الإنسان طاقته من الجلوس بمفرده. التفاعل مع الناس يستهلك من طاقته، مهما كان هذا التفاعل إيجابيًا أو محببًا.
  • الانبساطية
    هي أن يشحن الإنسان طاقته من التفاعل مع الناس. الجلوس منفردًا لفترات طويلة يُرهقه ويستنزف طاقته.

بهذا المعنى، لا تحمل الانطوائية أو الانبساطية أي حكم على الذكاء أو الكفاءة أو الصحة النفسية أو النجاح الاجتماعي، بل إنها فقط طريقة عمل.

لماذا لا تمثل الانطوائية أو الانبساطية مشكلة؟

المشكلة لا تنشأ من الصفة بل من سوء إدارتها أو فرض نمط لا يناسب التركيبة العصبية.

  • الانطوائي الذي يُجبر على بيئة اجتماعية كثيفة دون فترات استشفاء، سيُرهق.
  • الانبساطي الذي يُفرض عليه العزلة الطويلة، سيُستنزف.

لكن:

  • الانطوائي السليم في بيئته المناسبة قد يكون أكثر عمقًا وتركيزًا وإنتاجًا.
  • الانبساطي السليم في بيئته المناسبة قد يكون أكثر حيوية وتأثيرًا وقدرة على التحريك.

المشكلة ليست في “ما أنت”، بل في كيف تعيش عكس ما أنت.

توزيع الانطوائية والانبساطية على الشخصيات الوراثية

في منهج البناء العصبي الوراثي، لا تُقسَّم الشخصيات إلى انطوائية وانبساطية بشكل سطحي، بل يُنظر إلى الصفة داخل التركيبة العصبية لكل شخصية.

شخصيات انطوائية بطبيعتها

  • الشخصية التجنبية
  • الشخصية الفصامية

هؤلاء يشحنون طاقتهم من العزلة، ويُرهقهم الاحتكاك الاجتماعي الطويل، حتى لو كانوا مهذبين أو قادرين على التفاعل عند الحاجة.

شخصية انبساطية بطبيعتها

  • الشخصية الهستيرية

تشحن طاقتها من التفاعل، والظهور، والحضور الاجتماعي، وتنهك سريعًا في العزلة.

شخصيات متكافئة (ambivert)

  • الشخصية الحدية
  • الشخصية الارتيابية
  • الشخصية الوسواسية
  • شبه الفصامية

هذه الشخصيات ليست انطوائية ولا انبساطية في أصلها، بل تتأثر صفتها حسب التركيبة الثنائية أو الثلاثية التي تدخل فيها.

شخصيات تحتوي النوعين

  • الشخصية النرجسية
  • الشخصية المعادية

في هاتين الشخصيتين يمكن أن نجد:

  • نرجسيًا انطوائيًا
  • نرجسيًا انبساطيًا
  • معاديًا انطوائيًا
  • معاديًا انبساطيًا

وذلك حسب بقية مكونات التركيبة العصبية.

تركيبات تحتوي على كلا النوعين (omnivert)

قد لاحظ علماء النفس أن هناك بعض الشخصيات تتقلب ما بين الانطوائية والانبساطية وأسموها omnivert. ولو أن الأمر يبدو بلا تفسير منطقي لكن في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يظهر التفسير جليا في ثنائيات وثلاثيات الشخصيات. إذا ورث الإنسان شخصية انطوائية وانبساطية معا فلديه كلاهما ويتقلب بينهما، مثل الشخصية الحدية النرجسية المعادية (المبدعة القيادية المقتصة)، إذا كان نوع النرجسية الموروث انطوائي ونوع المعادية انبساطي أو العكس، سيظهر الإنسان أحيانا انطوائي وأحيانا انبساطي.

الفرق الجوهري بين المنهجين

علم النفس التقليدي البناء العصبي الوراثي
سمة سلوكية صفة وراثية عصبية
قابلة للتعديل ثابتة
تُقيَّم اجتماعيًا محايدة
تُخلط بالاضطرابات منفصلة تمامًا عنها
يُسعى لتغييرها يُسعى لفهمها وإدارتها

الحق في أن تكون كما أنت

الانطوائية والانبساطية ليستا مشروع إصلاح ولا هدف تطوير ولا مشكلة تحتاج إلى حل. هما جزء من الهوية العصبية الوراثية للإنسان. حين يفهم الإنسان صفته يتوقف عن جلد ذاته ويتوقف عن تقليد غيره وويتوقف عن تفسير إرهاقه أو ضيقه كخلل نفسي، ويبدأ بدلًا من ذلك في اختيار بيئته وإدارة طاقته ووبناء حياته بما يناسب تركيبته الحقيقية. وهذا هو جوهر منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية:

ليس أن نُغيّر الإنسان، بل أن نُعيده إلى نفسه

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى