أبحاثنفسية

قراءة أبحاث الدماغ (4): كيف يغير البناء العصبي الوراثي للشخصية قراءة أبحاث التوحد؟

منذ سنوات طويلة يسعى علماء الأعصاب والوراثة إلى اكتشاف الأساس البيولوجي للتوحد. ومع كل تقدم في تقنيات التصوير العصبي والتحليل الجيني كانت التوقعات تشير إلى أن العلم أصبح على وشك العثور على البصمة العصبية أو الجينية التي تفسر هذا التشخيص. إلا أن ما حدث كان مختلفًا فكلما ازدادت دقة الأبحاث ازدادت الصورة تعقيدًا. فبدلًا من العثور على نمط واحد يجمع جميع الحالات بدأت الدراسات تكشف عن تنوع هائل في النتائج، سواء في شبكات الدماغ أو في الجينات أو في طريقة معالجة المعلومات الحسية والاجتماعية.

وللوهلة الأولى قد يبدو هذا التباين وكأنه تناقض بين الدراسات لكن من الممكن النظر إليه من زاوية مختلفة. فربما لا تكون المشكلة في الأبحاث نفسها بل في الافتراض الذي انطلقت منه وهو أن جميع الأشخاص الذين يحملون تشخيص التوحد يمثلون حالة عصبية واحدة ومن ثم ينبغي أن تكون لهم بصمة بيولوجية واحدة.

إن الدراسات الحديثة تصف اختلافات حقيقية في الدماغ لكنها لا تصف النمط نفسه في جميع الحالات، فبعضها يشير إلى زيادة في الاتصال بين مناطق معينة من الدماغ، بينما تشير دراسات أخرى إلى انخفاض هذا الاتصال. وبعضها يصف نشاطًا مرتفعًا في شبكات عصبية محددة، بينما تجد دراسات أخرى النشاط نفسه أقل من المتوقع. وينطبق الأمر كذلك على الدراسات الجينية التي اكتشفت مئات الجينات المرتبطة بزيادة احتمال تشخيص التوحد، دون أن تتمكن من تحديد جين واحد أو مجموعة محدودة من الجينات تفسر جميع الحالات.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل تعكس هذه النتائج فشلًا في البحث العلمي، أم أنها تشير إلى أن التصنيف الذي نطلق عليه “التوحد” يضم في الحقيقة أكثر من بناء عصبي مختلف؟

من منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية يصبح هذا السؤال نقطة البداية، فالمنهج لا ينطلق من التشخيص وإنما من البناء العصبي الذي يولد به الإنسان. وإذا كانت البنى العصبية تختلف بطبيعتها في طريقة معالجة المعلومات والاستجابة للمثيرات والتفاعل مع البيئة فمن الطبيعي أن نجد اختلافات كبيرة بين الأشخاص الذين يندرجون تحت التشخيص نفسه حتى وإن تشابهت بعض مظاهرهم السلوكية.

ولهذا قد يشترك شخصان في صعوبة التواصل الاجتماعي بينما يكون السبب العصبي لدى كل منهما مختلفًا تمامًا. وقد يشترك آخران في الحساسية الشديدة للأصوات أو للمثيرات الحسية، لكن الطريقة التي يعالج بها دماغ كل منهما هذه المثيرات قد لا تكون واحدة. بل قد نجد شخصين يبدوان متشابهين في السلوك الخارجي، بينما تختلف البنية العصبية التي أنتجت هذا السلوك اختلافًا جذريًا.

إن هذا الفهم يساعد على تفسير واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة، وهي اتساع مفهوم “طيف التوحد“. فكلما اتسع الطيف، ازدادت الفروق بين الأشخاص الذين يندرجون تحته. فهناك من يحتاج إلى دعم كبير في معظم جوانب حياته، وهناك من يعيش باستقلالية كاملة. وهناك من يعاني من تأخر لغوي واضح، وآخر يمتلك قدرات لغوية عالية. وهناك من يتميز بقدرات استثنائية في التحليل أو الذاكرة أو مجالات معرفية محددة. وإذا كانت هذه الحالات جميعها تمثل مرضًا واحدًا، فمن الصعب تفسير هذا التنوع الكبير. أما إذا كانت تمثل تراكيب عصبية متعددة تشترك في بعض السمات الظاهرة، فإن هذا التنوع يصبح نتيجة متوقعة.

ومن هنا تتغير طريقة قراءة نتائج الأبحاث، فعندما تكشف دراسة عن اختلاف في طريقة معالجة الوجوه أو الأصوات أو الإشارات الاجتماعية، لا يكون السؤال الأول: كيف نزيل هذا الاختلاف؟ بل يصبح السؤال: ما الذي يخبرنا به هذا الاختلاف عن طريقة عمل هذا البناء العصبي؟ وعندما تشير دراسة إلى نمط معين من الاتصال بين مناطق الدماغ، فإن الاهتمام لا ينصب فقط على مقارنته بما يسمى “الدماغ الطبيعي“، وإنما على فهم الوظيفة التي يؤديها داخل هذا البناء العصبي، وما المزايا أو التحديات التي تترتب عليه.

وهذا لا يعني إنكار الصعوبات الحقيقية التي يواجهها كثير من الأشخاص المصنفين ضمن طيف التوحد، ولا التقليل من أهمية التدخلات العلاجية أو التعليمية، وإنما يعني أن فهم هذه الصعوبات قد يصبح أكثر دقة عندما ننظر إليها بوصفها ناتجة عن بناء عصبي معين، لا عن مرض واحد يفترض أنه يتكرر بالصورة نفسها عند الجميع.

ولعل ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من الاتجاهات الحديثة في علوم الأعصاب تسير تدريجيًا نحو هذا التصور، وإن لم تصل إليه بصورة كاملة. فالأبحاث أصبحت تتحدث بصورة متزايدة عن التنوع العصبي، وعن وجود مسارات بيولوجية متعددة تؤدي إلى التشخيص نفسه، وعن التفاعل المعقد بين الجينات والبيئة، وعن صعوبة اختزال جميع الحالات في نموذج واحد. وهذه الملاحظات لا تتعارض مع نتائج الدراسات، بل تعكس أن البيانات نفسها أصبحت أكبر من أن يحتويها التفسير التقليدي.

ومن هنا فإن منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا يعترض على نتائج الأبحاث الحديثة، بل يقترح إطارًا مختلفًا لقراءتها. فهو يرى أن الخطوة الأولى لفهم أي مرض عصبي أو نفسي هي التمييز بين الاختلافات الطبيعية في البناء العصبي الوراثي للشخصية، وبين التغيرات المرضية التي تطرأ على هذا البناء. فالبنى العصبية الوراثية المختلفة تمتلك بطبيعتها خصائص متباينة في معالجة المعلومات والانفعالات والتفاعل مع البيئة، وهذه الاختلافات لا ينبغي أن تُفسَّر في حد ذاتها على أنها مرض.

ومن هذا المنطلق، فإن الإشكالية في كثير من أبحاث التوحد ليست أنها تبحث في مرض غير موجود، وإنما أنها تضم تحت تشخيص واحد أشخاصًا ينتمون إلى أبنية عصبية وراثية مختلفة، ثم تحاول استخراج بصمة عصبية مشتركة بينهم. ولذلك قد تعكس النتائج في كثير من الأحيان مزيجًا من خصائص البنى العصبية الطبيعية إلى جانب التغيرات المرتبطة بمرض التوحد نفسه، فيصعب التمييز بينهما.

وبناءً على ذلك، فإن فهم مرض التوحد بدقة قد يتطلب أولًا تصنيف الأشخاص وفق البنى العصبية الوراثية التي ينتمون إليها، ثم دراسة المرض داخل كل بناء عصبي على حدة. وعندها يصبح من الممكن التمييز بين ما يمثل سمة طبيعية لهذا البناء العصبي، وما يمثل أثرًا حقيقيًا لمرض التوحد، وهو ما قد يمنح نتائج الأبحاث دقة أكبر، ويساعد على تكوين فهم أوضح لطبيعة المرض وآلياته.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى