منزلية

هكذا قيل لي: أنتِ تدافعين عن القذارة

بقلم داليا رشوان

shoesأنتِ تدافعين عن القذارة

بهذه الجملة انتقد طبيب يقول أنه في المهنة منذ 45 عام ردي على فيديو عربي ينشره على الواتس أب مضمونه أن الأبحاث العالمية أثبتت أنه يجب عدم دخول البيوت بالأحذية لأنها تنشر الباكتيريا والميكروبات وتهدد الإنسان بالموت لأنها تسهل دخول باكتيريا إي كولاي القاتلة للمنازل مما قد يودي بحياة الناس  وأن هذا البحث يتفق مع ديننا وتقاليدنا التي تفرض على الناس عدم دخول البيوت بالحذاء.

وفي نهاية الفيديو وُضِعَت آية سورة طه ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) وكأن هذا هو الدليل على وجوب خلع الأحذية عند دخول البيوت، تماما مثلما تجد أحد محال العصير وقد وضع يافطة عليها آية سورة الإنسان (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا).

وأقول افعل ما شئت إذا كان هذا من طبعك أو تقاليدك، فلكل شخص حرية أن يفعل ما يشاء طالما لا يؤذي الآخرين ولكن لا ترعب الناس بأبحاث تدعي ما ليس فيها وتقول أن سلوكك إسلامي.

الحقيقة أنني لا أعلم أي دين وأي تقاليد تمنع دخول البيوت بالأحذية إنما من يفعل هذا يعيش في بيت به درجة عالية من الرفاهية ولا يريد للضيوف أن يدوسوا على السجاجيد القيمة لأنها بالنسبة له تحفة، أو امرأة ليس لديها وقت للتنظيف فتبقي البيت نظيف بمنع دخول الناس بالأحذية ومنهن من يمنعن فتح أي نوافذ في البيت حتى لا تدخل الأتربة.

ولكن لو نظرنا من الناحية الدينية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا] فإذا كان يجوز لنا أن نسجد وجبهتنا على الأرض في أي بقعة والصلاة فيها، وإذا كان الناس على وقت رسول الله كانوا يصلون بأحذيتهم، فأين نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن دخول البيوت بالأحذية وإذا كان الرسول لم ينهَ الناس عن دخول بيته الطاهر بالأحذية فمن أنت حتى تفعل ذلك.

وهذه ليست دعوة للقذارة ولكن نظافة في حدود المعقول حتى نحافظ على صحتنا، فنحن أمة وسطا في كل شيء، لا إفراط ولا تفريط، علينا أن نتوضأ عدة مرات في اليوم الواحد وهو ما لا يؤذي أجسامنا ولا يغير من توازنات الكائنات الحية التي تحافظ على صحتنا. نحن أيضا مأمورون بغسل أيدينا قبل الأكل وبعده وهذا الأمر موجه بعناية لحمايتنا من تلوث الطعام وهو الذي يمكن أن يؤذينا بالفعل. والأهم من ذلك وما سبب مشاكل كبيرة في الغرب كما سنرى في الدراسات المرفقة في آخر الموضوع، هو قواعد الطهارة من البول والبراز والجنابة والحيض.

طبعا هناك من سيخرج عن المنطق ويقول “يعني ادوس في المجاري والزبالة وبعدين أدخل البيت”، والحقيقة أن هذا خارج المنطق وهل كل شوارعنا أصبحت غارقة في المجاري والقمامة؟ شيء طبيعي ومنطقي إذا كان الحذاء متسخا أن يخلعه الشخص على عتبة بيته وهذا ما نفعله جميعا سواء كانت الشوارع مغمورة بمياه المجاري أو حتى في الأيام الممطرة من الشتاء، هذا تصرف طبيعي وتلقائي في الحالات الاستثنائية.

وعودة للحوار، كان نقدي أن ما قيل في الفيديو عبارة عن هرتلة علمية ليس لها أي علاقة بالأبحاث ولا الاتجاه العام الذي تثبته الأبحاث يوما بعد يوم وأن أحد الأفلام العلمية الوثائقية أبرز نتائج الأبحاث التي وجدت أن الفلاحين الذين يعملون في الأرض بأيديهم أقوى مناعة وأقل إصابة بأمراض الحساسية عن غيرهم الذين يعيشون في بيئة معقمة ولا يتعاملون مع الطبيعة.

رد هذا الطبيب أن الفلاحين المصريين حالهم زي الزفت وصحتهم ضايعة وإنه منذ 45 عام يعمل فيها في مجال الطب لم ير أي بحث يتكلم عن ذلك وأنه لا يثق أساسا في أي بحث مصري.

طبعا هذا الطبيب لم يكن يعلم إني أتحدث عن وثائقيات البي بي سي الإنجليزية والأبحاث كان على الفلاح الإنجليزي.

فاستأذنت لحظة حتى أعود للبيت وأضع الروابط التي تثبت كلامي. ثم أرسلت له هذه الأبحاث والفيديوهات وقلت اكتفي بهذا القدر:

Household Dust, Innate Immunity, and the Amish: Lessons for Eosinophilic Esophagitis?

https://www.gastrojournal.org/article/S0016-5085(17)35547-6/fulltext

Exposure to pet and pest allergens during infancy linked to reduced asthma risk

https://www.sciencedaily.com/releases/2017/09/170919102555.htm

How keeping children too clean can wreck their immune systems

https://www.dailymail.co.uk/health/article-2118871/How-keeping-children-clean-wreck-immune-systems.html

Mounting evidence suggests child allergies linked to sterile environment

http://www.nbcnews.com/id/20774622/ns/health-livescience/t/dirty-truth-you-can-be-too-clean/#.W7kiXxFLfIU

Early childhood exposure to farm animals, pets modifies immunological responses

https://www.sciencedaily.com/releases/2015/12/151214085004.htm

Breastfeeding, other factors help shape immune system early in life

https://www.sciencedaily.com/releases/2015/02/150221192213.htm

You’re Too Clean, and It’s Messing With Your Immune System

https://www.youtube.com/watch?v=AqzFwQQew6k

Too Clean for Our Children’s Good?

https://www.nytimes.com/2017/04/17/well/family/too-clean-for-our-childrens-good.html

Pacifier Cleaning Practices and Risk of Allergy Development

http://pediatrics.aappublications.org/content/131/6/e1829

Lower occurrence of atopic dermatitis in children whose mothers were exposed to farm animals and cats during pregnancy

https://www.sciencedaily.com/releases/2010/12/101202124215.htm

Is Being Too Clean Making Us Sick?

https://www.youtube.com/watch?v=T7_gbfR4z9E

The kids are too clean! Landmark study finds germ-free environment in first year can CAUSE Leukaemia

https://www.mirror.co.uk/science/kids-clean-germ-free-environment-12573815

Is showering everyday bad for you? New research says yes

https://www.independent.co.uk/life-style/health-and-families/is-shower-everyday-good-or-bad-cleaning-hygiene-university-utah-amazon-village-microbes-skin-a7546216.html

How Germs, Dirt and Hookworms Can Boost Your Health

https://health.usnews.com/wellness/family/articles/2016-12-27/how-germs-dirt-and-hookworms-can-boost-your-health

وكنت أعلم مسبقا أن أسلوب الحوار غير صحي تماما، وأن هذا الطبيب لن يعترف بأي حقيقة علمية مهما كانت براهيني، فالحوار ليس من منطلق عقلان يريدان معرفة الحقيقة ولكن شخص متكبر يعارض بشكل أعمى أي شيء يقدمه الآخر ويثبت به خطؤه مهما كان.

فكان رده علىّ أنه لا يلتف للأبحاث العلمية الأجنبية التي تروج للقذارة وأنه لا يصدق إلا ما يشاهده في عيادته وأن النظافة من الإيمان واتهمني بأنني أدافع عن القذارة.

ومن هنا أحببت أن أستغل هذا الحوار لأبين أشياء تغيب عن هذا الطبيب وعن ناس عادية كثيرة:

أولا: ليس معنى أن الأبحاث تقول أن النظافة الزائدة عن الحد لا تفيد بل تضر أن هذه البحوث تروج للقذارة، البحث يقول للناس أن استخدامكم للمطهرات والحرص على تعقيم كل شيء ليس فيه صحتك وعليك أن تعِش بشكل طبيعي.

وقد لاحظت أن الناس لديها مشكلة في تقدير الكم المطلوب لأي شيء، بمعنى أن الأبحاث الأجنبية تقول مثلا أن الإسراف في السكر ضار بالصحة، فتجد هذه البحوث تترجم عندنا أن السكر سام وأنه مادة خطيرة يجب الابتعاد عنها واستبدالها ببدائل أخرى.

معظم الناس لا تفهم ماذا تعني (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، ما لا تعلمونه أن الطعام بشكل عام مضر بحسب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي وحسنه، وهل حين يسمع الناس ذلك سيمتنعون عن الأكل تماما، أبدا المفترض أن يكلوا بكميات معقولة وليست مبالغ فيها حتى لا يصابون بالأمراض.

ثانيا: 99% من المعلومات الدينية والعلمية المنتشرة على الإنترنت باللغة العربية غير صحيحة وذلك لأن الناشرين لا يبحثون عن العلم والمصادر لينشروا منها الحقيقي والموثق أو على الأقل وجهة نظر علمية ببراهين منطقية أو ينتقون منها ما يناسبنا ولكن يبحثون عن الشهرة واللايكات ولو بالكذب والتدليس.

في مثال آخر جمع ناشر جاهل بسذاجته العلمية ما يراه ضارا ولا يفهم أبعاده ويقول أنه يؤذي الكلة، وذلك في أحد الفيديوهات الذي تحدث عن أن 10 عادات تدمر الكلة، وضم من بينهم شرب البيبسي وأكل الإندومي وكلام فارغ كثير ولم يكن في الفيديو كله شيء صحيح إلا المسكنات، الغريب أن من يقوم بعمل الفيديو يقول أن الأبحاث تقول دون إرفاق أي رابط أو حتى سكرين شوت للبحث، فيدعي أن البحث سويسري أو إنجليزي أو أمريكي وهو في الأصل من عصارة فكره الجاهل.

ثالثا: سنرى في الأبحاث بأعلى أن تربية الأطفال الرضع في بيت به قطط يحد من احتمال إصابتهم بمرض الربو عند بلوغ 6 سنوات.

وهذه ليست قذارة بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن القطط (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه).

الأبحاث أيضا تتحدث أن التعقيم المستمر للببرونة التي يضعها الأطفال في أفواههم بشكل مستمر يضر بصحتهم المناعية، والفكرة أن تعقيم كل شيء من حولهم يمنع تدرب جهازهم المناعي للتأقلم ضد الميكروبات المختلفة مما يجعلهم في سن أكبر عرضة لأن يمرضوا سريعا وتنشأ لديهم أمراض الحساسية.

بحث آخر أوردته بأعلى أظهر أن اختلاط الأطفال في القرى بالمواشي في سن صغير يجعل مناعتهم أكثر قوة.

بحث آخر أظهر أن نمو الطفل في بيئة معقمة قد يصيبه بسرطان الدم.

لذا فسواء أخذنا الموضوع من اتجاه ديني أم اتجاه علمي فالنتيجة واحدة، النظافة مهمة في حدود المعقول والطبيعي أما الوسوسة والاستخدام المفرط للمطهرات ومنع الناس دخول البيوت بالأحذية هذا ليس له علاقة لا بدين أو صحة.

ونحن لسنا كائنات معقمة بل إن هناك توازنات من الباكتيريا والفطريات والفيروسات تساعدنا أن نحيا بصحة جيدة.

في النهاية أردت أن أتأكد هل بالفعل هناك أي شيء في الأبحاث يتحدث عن هذا الموضوع فلم أجد إلا مقال باللغة العربية في روسيا اليوم منقول عن جريدة دويتش فيلا الألمانية ويقول أن بحث وجد في الأحذية بكتيريا ضارة بسبب استخدامهم للمراحيض العامة.

والحقيقة أن مسألة المراحيض العامة أو حتى الخاصة تشكل مشكلة كبيرة في الغرب لانعدام ثقافة الطهارة الإسلامية مما يساعد على انتشار الكائنات الضارة على أصعدة كثيرة، فهناك دراسة أظهرت أن ريموتات التليفزيون في الفنادق الغربية هي الأقذر على الإطلاق وأن 80% من الأشياء الموجودة في غرفة فندق ملوثة بباكتيريا البراز. ودراسة أخرى أظهرت أن شنط السيدات بها كمية من الميكروبات أكبر من تلك الموجودة في المراحيض، وأن السبب في شيوع هذا التلوث عدم غسيل اليدين بعد الانتهاء من قضاء الحاجة، أي أن الموضوع في الغرب أكبر بكثير من مسألة حذاء.

روابط الدراسات:

Your gross handbag is germier than a toilet

https://www.today.com/health/your-gross-handbag-germier-toilet-1C10120964

Fecal Bacteria on 72% of Shopping Carts

https://blogs.webmd.com/breaking-news/2011/03/fecal-bacteria-on-72-of-shopping-carts.html

10 really disturbing places you’ll find traces of poop

https://www.news24.com/You/Archive/10-really-disturbing-places-youll-find-traces-of-poop-20170728

TV remotes among dirtiest items in hotels, study finds

https://www.reuters.com/article/uk-usa-health-hotel/tv-remotes-among-dirtiest-items-in-hotels-study-finds-idUSLNE85I00L20120619

A study to investigate the importance of purses as fomites

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4513311/

لذا فإنني لا أروج للقذارة ولكن أدعو للالتزام بقواعد الطهارة التي أمرنا بها الله ورسوله لا نزيد عليها إلا لضرورة واضحة أو حالة استثنائية ولا ننقص منها حتى نحافظ على صحتنا.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
×

مرحبا!

للحالات التي تحتاج دعم نفسي واستشارات أسرية (بواسطة التليفون أو برامج الاتصال الصوتية) يمكن التواصل والحجز واتس أب

× تحدث معى عبر واتس أب