البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

مقارنة بين تناول الهوية واضطرابها في الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

يُعد مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم تعقيدًا في علم النفس والطب النفسي، لأنه يرتبط بالسؤال الأعمق الذي يواجهه الإنسان طوال حياته: “من أنا؟”. وقد حاولت المدارس النفسية المختلفة تفسير الهوية واضطراباتها بطرق متعددة، فربطها بعضها بالتجارب المبكرة، وربطها آخرون بالعلاقات الاجتماعية أو الصدمات أو البناء المعرفي للإنسان. لكن رغم كثرة الطروحات، لا يزال مفهوم اضطراب الهوية من أكثر المفاهيم غموضًا وتشابكًا، خاصة عند الحديث عن الشخصيات الحدية، التي تُعد أكثر الشخصيات معاناة من التشتت الداخلي وتقلب الأهداف، والشعور المستمر بعدم الاستقرار النفسي والفكري.

في الممارسات النفسية الحالية، يُنظر إلى اضطراب الهوية غالبًا باعتباره حالة من عدم الاستقرار في صورة الذات، أو اضطرابًا في الإحساس بمن يكون الإنسان فعلًا، أو تقلبًا في القيم والأهداف والانتماءات والعلاقات. ويرتبط هذا المفهوم بصورة كبيرة بما يسمى اضطراب الشخصية الحدية في الطب النفسي، حيث تُعتبر “الهوية غير المستقرة” أحد الأعراض الأساسية في التشخيصات التقليدية. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في أن هذه الممارسات غالبًا ما تصف الظاهرة دون أن تقدم تفسيرًا دقيقًا لجذرها العصبي والنفسي الحقيقي.

فالمدارس التقليدية تميل إلى تفسير اضطراب الهوية عند الشخصيات الحدية باعتباره ناتجًا عن الصدمات النفسية أو العلاقات المضطربة في الطفولة أو ضعف تكوين الذات نتيجة البيئة المحيطة. وفي بعض المدارس التحليلية يُنظر إلى الشخص الحدّي باعتباره إنسانًا لم ينجح في بناء “ذات مستقرة”، ولذلك يظل متذبذبًا بين صور مختلفة لنفسه، ويتأثر بالآخرين بصورة شديدة، ويعاني من فراغ داخلي يجعله غير قادر على معرفة ما يريده فعلًا.

لكن هذا الطرح من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يظل قاصرًا عن فهم الطبيعة العصبية الحقيقية للشخصية الحدية. لأن المشكلة هنا ليست مجرد “خلل في بناء الذات”، بل ترتبط أساسًا بطريقة عمل الدماغ نفسه، وطبيعة النشاط الذهني المرتفع الذي تتميز به هذه الشخصية، وما يترتب عليه من تشتت داخلي وانجذاب دائم للمثيرات والإنجازات والتجارب المختلفة.

يرى منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أن الشخصية الحدية، أو “المبدعة”، تمتلك نشاطًا ذهنيًا مرتفعًا بصورة استثنائية مقارنة بغيرها من الشخصيات. هذا النشاط لا يظهر فقط في كثرة التفكير، بل في كثرة الاهتمامات، وسرعة الانتقال بين الأفكار، والقدرة على الدخول في مجالات متعددة، والانفعال الشديد بالحياة وما فيها من تجارب وفرص ومشاعر وأهداف. وهنا يبدأ الفارق الجوهري بين المنهجين.

ففي حين ترى الممارسات التقليدية أن اضطراب الهوية ناتج عن “ضعف الذات”، يرى منهج البناء العصبي الوراثي أن ما يحدث في كثير من الحالات هو العكس تقريبًا؛ إذ تكون المشكلة في وفرة الدوافع والقدرات والانفعالات والاحتياجات، لا في غيابها. فالشخصية الحدية لا تعاني من فراغ عقلي، بل من فائض عقلي ونفسي يجعلها تتحرك باستمرار نحو الخارج، وتنجذب إلى أشياء كثيرة في الوقت نفسه، مما يصعّب عليها أحيانًا أن تسمع صوتها الداخلي الحقيقي وسط هذا الزحام الذهني والانفعالي.

الشخصية الحدية بطبيعتها تستمتع بالإنجاز والعطاء والتجربة والحركة والتغيير والتأثير في الحياة. كما أنها تنفعل بسرعة بما حولها، وتتأثر بالأشخاص والأفكار والنجاحات والانطباعات المختلفة. لذلك فإنها قد تدخل في طريق معين بكل حماس، ثم تنجذب إلى طريق آخر يبدو أكثر إثارة أو أكثر إبداعًا أو أكثر إشباعًا لحاجتها النفسية. وهذا لا يحدث بالضرورة بسبب الخداع أو ضعف الشخصية، بل بسبب التركيبة العصبية التي تجعل الدماغ في حالة نشاط مستمر وبحث دائم عن الإشباع الذهني والانفعالي.

ومن هنا تظهر أزمة الهوية عند الشخصية الحدية بصورة مختلفة تمامًا عن التصورات التقليدية. فالمشكلة ليست فقط أنها “لا تعرف نفسها”، بل أنها تمتلك عددًا هائلًا من الإمكانيات والرغبات والاهتمامات والانفعالات التي تتحرك جميعها في وقت واحد، مما يجعل اتخاذ قرار ثابت وطويل المدى أمرًا معقدًا وصعبًا في بعض الأحيان.

وفي كثير من الحالات، تنظر الشخصية الحدية إلى الخارج أكثر مما تنظر إلى الداخل. فهي قد تنشغل بالإنجازات وبالآخرين وبالعطاء وبالنجاح وبالمشروعات وبالتجارب الجديدة إلى درجة تجعلها لا تتوقف لفترة كافية لتسأل نفسها: “ما الذي أريده أنا فعلًا؟”. وهنا يصبح الإنسان متحركًا بقوة داخل الحياة، لكنه غير مستقر تمامًا على اتجاه داخلي واضح.

وهذا يفسر لماذا قد تتغير أهداف الشخصية الحدية بصورة متكررة، ولماذا قد تنتقل بين مجالات مختلفة بإتقان وحماس حقيقي، ولماذا قد تبدو أحيانًا وكأنها تعيش أكثر من حياة في الوقت نفسه. ففي المنهج التقليدي قد يُنظر إلى هذا الأمر باعتباره تقلبًا مرضيًا أو اندفاعية غير ناضجة، بينما يراه منهج البناء العصبي الوراثي انعكاسًا لطبيعة النشاط الذهني المرتفع الذي يحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحول إلى تشتت وفقدان للاتجاه.

ومن الأخطاء الشائعة في الممارسات النفسية الحالية أن اضطراب الهوية يُفسر غالبًا بصورة عاطفية أو رمزية، دون فهم ميكانيكية الدماغ التي تقف خلفه. فحين يُقال إن الشخص “لا يعرف نفسه”، يبقى السؤال الحقيقي: لماذا؟ ما الذي يحدث داخل هذا الدماغ ليجعل الإنسان عاجزًا عن الثبات على صورة واحدة أو هدف واحد أو مسار واحد؟

منهج البناء العصبي الوراثي يحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال فهم طبيعة التركيبة العصبية نفسها. فالشخصية الحدية ليست شخصية ثابتة الإيقاع بطبيعتها بل شخصية ذات طاقة ذهنية مرتفع وسرعة تفاعل واحتياج دائم للحركة النفسية والذهنية ودرجات ذلك تكون وفقا للتركيبة الثنائية أو الثلاثية التي تشترك مع الحدية في نفس الشخصية. لذلك فإن بناء الهوية لديها لا يتم بالطريقة نفسها مع جميع تركيبات الشخصيات الحدية أو التي يحدث بها عند تركيبات الشخصيات غير الحدية أو الأكثر هدوءًا أو ثباتًا.

كما أن الشخصية الحدية كثيرًا ما تقيس نفسها من خلال الإنجاز والتأثير والبصمة، وليس فقط من خلال الشعور الداخلي بالاستقرار. فهي تحتاج أن تشعر أنها تتحرك وتفعل وتنجز وتعطي، وإلا دخلت في حالة من الاختناق النفسي أو الملل أو فقدان المعنى. لكن هذا الاحتياج نفسه قد يدفعها أحيانًا إلى الانغماس في أهداف ليست نابعة من أعماقها بالكامل، بل من انفعالها المؤقت بالحياة أو إعجابها بشخص معين أو رغبتها في خوض تجربة جديدة.

ولهذا فإن أزمة الهوية في الشخصية الحدية ليست دائمًا أزمة “ضعف”، بل قد تكون أحيانًا أزمة “وفرة”. وفرة في الطاقة، والقدرات، والانفعالات، والاهتمامات، والطموحات، والخيالات، والمشروعات الممكنة. وكلما زادت هذه الوفرة دون إدارة حقيقية، زادت احتمالية التشتت والشعور بعدم الاستقرار الداخلي.

ومن هنا يختلف منهج البناء العصبي الوراثي أيضًا في طريقة التعامل مع اضطراب الهوية. فبدلًا من التركيز فقط على “تعزيز صورة الذات” أو “إعادة بناء الثقة بالنفس”، يحاول المنهج فهم طبيعة النشاط الذهني للشخصية الحدية وكيفية إدارته. لأن الحل لا يكمن فقط في أن يعرف الإنسان نفسه نظريًا، بل في أن يتعلم كيف يهدئ الضوضاء الداخلية بما يكفي ليسمع ذاته الحقيقية وسط كل هذا النشاط.

كما يركز المنهج على أهمية اختيار الأهداف بعناية عند الشخصيات الحدية، لأن هذه الشخصيات تمتلك قدرة كبيرة على الحماس والاندفاع والإنجاز، لكنها قد تُهدر سنوات طويلة في طرق لا تشبهها بالكامل إذا لم تنتبه إلى طبيعتها النفسية الحقيقية. ولذلك فإن معرفة الشخصية الحدية بنفسها لا تعني فقط معرفة صفاتها، بل تعني أيضًا فهم:

  • ما الذي يشبعها فعلًا؟
  • ما الذي يمنحها الاستمرارية؟
  • ما نوع الحياة الذي يناسب طبيعة نشاطها الذهني؟
  • وما الفرق بين الانفعال اللحظي والرغبة العميقة المستقرة؟

وفي المقابل تميل بعض الممارسات النفسية الحالية إلى التعامل مع تقلبات الشخصية الحدية بوصفها خللًا مرضيًا يجب إيقافه بالكامل، بينما يرى منهج البناء العصبي الوراثي أن جزءًا كبيرًا من هذه الحركة النفسية هو جزء أصيل من طبيعة الشخصية نفسها، وأن الهدف ليس تحويل الشخصية الحدية إلى شخصية جامدة أو بطيئة، بل مساعدتها على إدارة نشاطها العقلي بصورة تمنحها الاستقرار دون قتل حيويتها وإبداعها.

كما أن المنهج يفرق بين “الهوية الحقيقية” وبين “الهوية التفاعلية”. فالإنسان الحدّي قد يتشكل مؤقتًا بحسب البيئة المحيطة أو الأشخاص أو الأهداف أو المشاعر التي يعيشها، لكنه في العمق يمتلك احتياجات نفسية وبنية عصبية ثابتة نسبيًا، حتى وإن بدت اهتماماته الخارجية متغيرة. ولذلك فإن فهم هذه البنية يساعد الإنسان على رؤية الخيط الداخلي الذي يربط بين كل تجاربه المتفرقة، بدلًا من الشعور بأنه شخص متناقض أو بلا هوية.

وفي النهاية، يكشف الفرق بين الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية عن اختلاف أعمق في طريقة فهم الإنسان نفسه. فبينما تنظر كثير من المدارس التقليدية إلى اضطراب الهوية باعتباره خللًا في بناء الذات نتيجة عوامل خارجية، يرى منهج البناء العصبي الوراثي أن الهوية ترتبط بطبيعة التركيبة العصبية نفسها، وبطريقة إدارة النشاط الذهني والانفعالي للشخصية. ومن هنا فإن أزمة الهوية عند الشخصيات الحدية لا تُفهم باعتبارها مجرد ضعف أو فراغ، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لعقل شديد النشاط، واسع الاهتمامات، سريع الانفعال بالحياة، يحتاج إلى فهم دقيق وإدارة واعية حتى يستطيع أن يحول هذا الثراء الداخلي من مصدر للتشتت إلى مصدر للقوة والإبداع والاستقرار الحقيقي.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى