آلية البحثنفسية

إشكالية الحكم على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية (4): هل فشل النماذج النفسية الحالية في تفسير الإنسان هو ما أوجد الحاجة إلى منهج جديد؟

من الاعتراضات الشائعة على أي منهج جديد السؤال: لماذا نحتاج إليه أصلًا طالما أن علم النفس والطب النفسي موجودان منذ عشرات السنين؟

ويبدو السؤال منطقيًا للوهلة الأولى، لكنه يقود إلى سؤال أكثر أهمية: هل نجحت النماذج الحالية فعلًا في تقديم تفسير متكامل للإنسان؟

فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققه علم النفس والطب النفسي، لا تزال هناك قضايا أساسية لم تحسم بصورة نهائية. فما زال الجدل قائمًا حول أسباب كثير من الاضطرابات النفسية، وما زالت المدارس المختلفة تقدم تفسيرات متعارضة أحيانًا للسلوك الإنساني نفسه.

فقد يفسر التحليل النفسي الظاهرة بطريقة، بينما تفسرها المدرسة السلوكية بطريقة أخرى، وتقدم المدرسة المعرفية تفسيرًا ثالثًا، وتضيف العلوم العصبية تفسيرًا رابعًا. وفي كثير من الأحيان تبدو هذه التفسيرات وكأنها تتحدث عن الإنسان نفسه لكنها لا تنطلق من الفرضيات نفسها. وهذا التعدد لا يمثل بالضرورة مشكلة، لكنه يشير إلى أن الصورة النهائية ما زالت غير مكتملة.

ومن الملاحظ أيضًا أن كثيرًا من التصنيفات النفسية الحديثة تركز على وصف الأعراض أكثر من تفسير أسبابها الجوهرية. فالتشخيص يحدد ما الذي يفعله الإنسان أو يشعر به، لكنه لا يجيب دائمًا عن السؤال الأعمق: لماذا يفعل ذلك أصلًا؟

ولهذا نجد أن عددًا كبيرًا من الظواهر النفسية يُدرس بصورة منفصلة. فالدافعية لها باب خاص، والهوية لها باب خاص، والقلق له باب خاص، والإبداع له باب خاص، والعلاقات لها باب خاص، والتوحد له باب خاص، والاحتراق النفسي له باب خاص.

لكن هل هذه الظواهر منفصلة فعلًا؟

يرى منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان أن كثيرًا من هذه الظواهر ليست كيانات مستقلة كما تبدو، بل تعبيرات مختلفة عن تراكيب عصبية وراثية مختلفة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى نموذج يحاول تفسير هذه الظواهر داخل إطار واحد بدلًا من التعامل معها كجزر منفصلة. فالمنهج يفترض أن فهم التركيبة العصبية للشخص يمكن أن يفسر في الوقت نفسه:

  • احتياجاته النفسية
  • نقاط قوته
  • نقاط ضعفه
  • طريقة تفكيره
  • علاقاته
  • استجابته للضغوط
  • احتمالية تعرضه لنوبات الإجهاد
  • كثيرًا من السلوكيات التي تُدرس تقليديًا بصورة منفصلة

ومن هذه الزاوية، لم ينشأ المنهج بسبب الرغبة في مخالفة النماذج القائمة، وإنما بسبب الحاجة إلى تفسير أكثر شمولًا واتساقًا. فكل نظرية جديدة تظهر عادة عندما تبدأ النظرية السابقة في مواجهة أسئلة لا تستطيع الإجابة عنها بسهولة. وقد شهد تاريخ العلوم هذه الظاهرة مرارًا، فالنماذج الجديدة لا تنشأ لأن أحدهم قرر رفض النماذج القديمة، بل لأنها تظهر عندما يصبح الواقع أكبر من قدرة التفسير السائد على احتوائه. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: لماذا ظهر منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية؟ بل: ما الأسئلة التي حاول الإجابة عنها ولم تستطع النماذج السائدة تقديم إجابات مقنعة لها؟

إذا استطاع المنهج تفسير عدد أكبر من الظواهر من خلال إطار أكثر اتساقًا، وإذا استطاع تقديم تنبؤات أدق، وإذا استطاع مساعدة الناس على فهم أنفسهم بصورة أوضح، فإن وجوده يصبح مبررًا علميًا ومنطقيًا بغض النظر عن مدى اختلافه عن النماذج التقليدية.

ففي النهاية لا تُقاس قيمة أي منهج بمدى قربه من الأفكار السائدة، وإنما بمدى قدرته على تفسير الواقع الإنساني كما هو. والتاريخ العلمي يعلمنا أن كثيرًا من الأفكار التي أصبحت لاحقًا جزءًا من المعرفة الإنسانية بدأت في الأصل باعتبارها خروجًا على المألوف، ثم فرضت نفسها لأن قدرتها على التفسير كانت أكبر من قدرة ما سبقها.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى