أبحاثنفسية

قراءة أبحاث الدماغ (1): عندما تصبح المشكلة في التفسير لا في البحث

كل أسبوع تقريبًا تنشر دوريات علم الأعصاب والطب النفسي عشرات الدراسات التي تكشف اختلافات جديدة في الدماغ. مرة نجد اختلافًا في شبكات الاتصال العصبي، ومرة في طريقة معالجة المعلومات، ومرة في نشاط مناطق معينة من الدماغ، ومرة في الجينات أو الناقلات العصبية أو الاستجابة للضغوط.

ومع التطور الهائل في تقنيات التصوير العصبي والتحليل الجيني، أصبحت كمية البيانات التي يمتلكها العلم عن الدماغ أكبر من أي وقت مضى.

لكن رغم هذا التقدم المذهل، يظل هناك سؤال نادرًا ما يُطرح:

هل المشكلة في نتائج الأبحاث… أم في الطريقة التي نفسر بها هذه النتائج؟

البحث قد يكون صحيحًا… لكن القراءة قد تكون ناقصة

العلم التجريبي يخبرنا بما وجده، أما تفسير ما وجده فهو خطوة مختلفة تمامًا. فعندما تكشف دراسة أن مجموعة من الأشخاص لديهم نشاط مرتفع في منطقة معينة من الدماغ، أو اتصال أضعف بين شبكتين عصبيتين فإن هذه النتيجة في حد ذاتها ليست المشكلة.

المشكلة تبدأ عندما يُفترض مباشرة أن هذا الاختلاف يمثل خللًا أو اضطرابًا أو مرضًا. وهنا يتحول التفسير إلى امتداد للنموذج النظري الذي بُني عليه الطب النفسي الحديث، وليس إلى حقيقة أثبتها البحث نفسه. فالبيانات لا تقول إنها مرض، البيانات تقول فقط إن هناك اختلافًا، أما وصف هذا الاختلاف بأنه مرض، فهو تفسير.

عندما يبدأ العلم من فرضية واحدة

على مدار عقود طويلة تأسس علم النفس والطب النفسي على فكرة أن هناك دماغًا طبيعيًا ينبغي أن يعمل بطريقة محددة، وأن أي اختلاف عن هذا النموذج يمثل اضطرابًا بدرجة ما. ومن هنا أصبحت الأبحاث تبحث عن:

لكن ماذا لو كان السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة؟

ماذا لو كانت هذه الاختلافات ليست بصمة مرض، وإنما بصمة بناء عصبي مختلف؟

البيانات نفسها… لكن قراءة مختلفة

عندما نقرأ نتائج الأبحاث من منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية، فإن كثيرًا من النتائج تكتسب معنى مختلفًا تمامًا. فارتفاع نشاط بعض الشبكات قد لا يعني اضطرابًا، بل استعدادًا وراثيًا لنمط معين من التفكير، وزيادة الحساسية الانفعالية قد لا تعني مرضًا بل طريقة مختلفة لمعالجة المعلومات، والنشاط الذهني المرتفع قد لا يكون خللًا يحتاج إلى إخماد بل قدرة تحتاج إلى إدارة، والاختلاف في الاتصال العصبي قد لا يكون عيبًا في الدماغ، بل تصميمًا عصبيًا يؤدي وظيفة مختلفة. وبذلك تتحول كثير من نتائج الأبحاث من محاولة تفسير “لماذا يمرض الدماغ؟” إلى محاولة فهم “كيف يختلف هذا البناء العصبي عن غيره؟”

لماذا تبدو نتائج الأبحاث متناقضة؟

من أكثر المشكلات التي تواجه الباحثين اليوم أن الدراسات حول التشخيص نفسه كثيرًا ما تختلف في نتائجها. دراسة تجد زيادة في نشاط منطقة معينة وأخرى تجد نقصًا وثالثة لا تجد فرقًا أصلًا. ولهذا تظهر مراجعات علمية تنتهي بعبارة متكررة: النتائج غير متسقة.

لكن ربما لا يكون السبب هو ضعف الدراسات وربما لا تكون المشكلة في الأجهزة بل في أن المجموعات التي تُقارن تحت التشخيص الواحد ليست مجموعة عصبية واحدة أصلًا، فإذا كان التشخيص يضم عدة تراكيب عصبية مختلفة فمن الطبيعي أن تختلف النتائج لأن الباحث يقارن في الحقيقة بين أنماط متعددة لا بين نمط واحد.

كلما تقدمت الأبحاث… اقتربت من اكتشاف المشكلة

من اللافت أن الأبحاث الحديثة بدأت تتجه تدريجيًا بعيدًا عن فكرة وجود مرض نفسي واحد له بصمة دماغية ثابتة. بل أصبحنا نرى الحديث عن:

  • تداخل كبير بين التشخيصات.
  • استمرارية السمات بدل الحدود الصارمة.
  • اختلافات فردية واسعة.
  • شبكات دماغية معقدة بدل مراكز منفصلة.
  • تأثيرات جينية متعددة وليست جينًا واحدًا.
  • مسارات عصبية مختلفة قد تؤدي إلى الأعراض نفسها.

وهذه الاتجاهات لا تعني أن العلم وصل إلى النهاية، بل ربما تعني أنه بدأ يكتشف أن النموذج القديم لم يعد قادرًا على تفسير ما يراه.

البناء العصبي الوراثي للشخصية… قراءة جديدة للنتائج

منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا يعارض نتائج الأبحاث العصبية الحديثة بل على العكس يعتبرها ثروة علمية هائلة لكنه يقترح إعادة تفسيرها. فالاختلافات العصبية ليست بالضرورة علامات مرض بل قد تكون الخصائص الطبيعية لبناء عصبي وراثي معين، وعندها يصبح الهدف ليس القضاء على هذا البناء، وإنما فهمه وإدارته وتطوير نقاط قوته ومعالجة مواطن ضعفه عندما تسبب معاناة لصاحبها. وهذا يغير طريقة قراءة آلاف الدراسات المنشورة خلال السنوات الماضية.

ربما نحن أمام مرحلة انتقالية

كل ثورة علمية كبرى لا تبدأ باكتشاف بيانات جديدة فقط، بل تبدأ أيضًا بإعادة تفسير البيانات القديمة. فالبيانات قد تبقى كما هي، لكن الإطار الذي تُفهم من خلاله يتغير. وربما تكون علوم الأعصاب اليوم تقف عند هذه النقطة تحديدًا فهي تنتج يومًا بعد يوم نتائج أكثر دقة عن الدماغ، لكنها ما زالت تفسرها غالبًا من خلال نموذج صُمم في زمن لم يكن يعرف عن الدماغ إلا القليل. وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه في السنوات القادمة ليس:

“ما الذي اكتشفه العلم عن الدماغ؟”

بل:

“هل ما زلنا نفسر هذه الاكتشافات بالنموذج الصحيح؟”

فقد يكون المستقبل الحقيقي لعلوم الأعصاب ليس في جمع بيانات أكثر فحسب، وإنما في امتلاك إطار نظري يستطيع أن يمنح هذه البيانات معناها الصحيح.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى