آلية البحثنفسية

إشكالية الحكم على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية (2): هل يحقق المنهج شروط البحث العلمي؟

منذ ظهور العلوم الحديثة، لم تكن قيمة أي فكرة تُقاس بمدى انتشارها أو بمدى توافقها مع الأفكار السائدة، وإنما بمدى قدرتها على تفسير الواقع بصورة متسقة، وقدرتها على تقديم نتائج يمكن تكرارها واختبارها عمليًا. فالتاريخ العلمي مليء بأفكار كانت في بدايتها غريبة أو مرفوضة أو مخالفة لما هو شائع، لكنها استمرت لأنها استطاعت تفسير ما عجزت النماذج الأخرى عن تفسيره.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح على أي منهج جديد ليس: هل يشبه ما هو موجود؟ بل: هل يعمل؟ وهل يستطيع تفسير الواقع بصورة أفضل؟ وهل يمكن تطبيقه مرارًا والحصول على النتائج نفسها؟

هذه الأسئلة هي التي يجب أن تُطرح على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، وهو المنهج الذي طورته الباحثة داليا رشوان والذي نشأ من دراسة آلاف الحالات ومحاولة فهم الإنسان من زاوية مختلفة عن الزاوية التي اعتادت المدارس النفسية التقليدية النظر منها.

العلم يبدأ بالملاحظة وليس بالموافقة الأكاديمية

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الفكرة تصبح علمية عندما توافق عليها المؤسسات الأكاديمية، بينما الحقيقة أن معظم الاكتشافات العلمية بدأت بملاحظة متكررة لظاهرة معينة، ثم جاء الاعتراف الأكاديمي لاحقًا بعد تراكم الأدلة. فالعلم في جوهره يبدأ بالملاحظة.

عندما لاحظ العلماء أن الأجسام تسقط نحو الأرض بدأ البحث عن قوانين الجاذبية. وعندما لاحظ الأطباء أن بعض الأمراض تنتقل من شخص لآخر بدأ البحث عن الجراثيم والفيروسات. ولم يكن أحد ينتظر موافقة المجتمع العلمي قبل أن يبدأ بملاحظة الواقع.

ومن هذا المنطلق نشأ منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فلم يبدأ من فرضية فلسفية أو فكرة نظرية مجردة، بل بدأ من ملاحظة متكررة لأنماط بشرية تظهر بالصفات نفسها والاحتياجات نفسها ونقاط القوة نفسها والمشكلات نفسها رغم اختلاف البيئات والثقافات والظروف الاجتماعية.

ومع تكرار الملاحظة على عدد متزايد من الحالات بدأت تظهر صورة أكثر وضوحًا، وهي أن البشر لا يختلفون فقط في الخبرات والتربية، بل يختلفون أيضًا في البنية العصبية التي تدير احتياجاتهم النفسية وقدراتهم وسلوكياتهم.

من أهم شروط العلم: القدرة على تكرار النتائج

ربما يكون أهم معيار للحكم على أي منهج علمي هو القدرة على إعادة إنتاج النتائج. فلو أن طبيبًا اكتشف دواءً لا يعمل إلا معه شخصيًا، فلن تكون لاكتشافه قيمة علمية حقيقية. أما إذا استطاع عشرات الأطباء استخدام الدواء والحصول على النتائج نفسها، فإن قيمة الاكتشاف تصبح أكبر بكثير.

والأمر نفسه ينطبق على علم النفس، فإذا كانت الشخصية مجرد انطباع شخصي أو شعور ذاتي، فلن يتمكن شخصان من الوصول إلى النتيجة نفسها عند دراسة الحالة نفسها. أما إذا كانت هناك قواعد حقيقية تحكم الشخصية، فإن تطبيق هذه القواعد يجب أن يقود إلى نتائج متقاربة.

ومن أهم ما يميز منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أنه لا يعتمد على الانطباع العاطفي أو التخمين أو الإعجاب الشخصي بالحالة، بل يعتمد على التعرف إلى الاحتياجات النفسية الأساسية والقدرات الجوهرية وأنماط التفكير المتكررة داخل كل شخصية. ولهذا فإن المنهج لا يكتفي بوصف الشخص بعد معرفة تفاصيل حياته، بل يستطيع الانطلاق من بنية الشخصية نفسها للوصول إلى استنتاجات متكررة يمكن اختبارها على حالات جديدة. وهذه القدرة على تكرار النتائج هي إحدى أهم السمات التي تمنح أي منهج قيمته العلمية.

المنهج لا يصف الإنسان فقط بل يتنبأ بسلوكه

من أهم خصائص النظريات العلمية القوية أنها لا تفسر الماضي فقط، بل تستطيع التنبؤ بالمستقبل. فالعالم لا يكتفي بشرح ما حدث، بل يحاول معرفة ما سيحدث إذا تكررت الظروف نفسها. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية.

فعندما يتم تحديد التركيبة العصبية الوراثية للشخص بصورة صحيحة، يصبح من الممكن توقع كثير من الأمور قبل حدوثها، مثل نوع المشكلات التي قد يواجهها ونقاط قوته ونقاط ضعفه واحتياجاته النفسية وطريقة استجابته للضغوط وأنماط العلاقات التي قد ينجح فيها أو يفشل.

وهذه النقطة بالذات هي ما يجعل المنهج مختلفًا عن كثير من الممارسات النفسية التقليدية التي تعتمد غالبًا على تفسير ما حدث بالفعل بعد وقوعه. فالمنهج لا يكتفي بالنظر إلى الماضي، بل يحاول فهم القواعد التي تحكم السلوك الإنساني من الأساس.

تفسير عدد كبير من الظواهر من خلال نموذج واحد

من علامات قوة أي نظرية علمية أنها تستطيع تفسير عدد كبير من الظواهر المختلفة من خلال مجموعة محدودة من المبادئ الأساسية. فعندما تكون النظرية صحيحة، لا تحتاج إلى تفسير منفصل لكل ظاهرة جديدة تظهر أمامها، بل تستطيع فهمها ضمن الإطار نفسه. وهذه من النقاط التي يتميز بها منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية. فالفكرة الأساسية للمنهج بسيطة نسبيًا: البشر يمتلكون تراكيب عصبية وراثية مختلفة، وكل تركيبة تمتلك احتياجات نفسية وقدرات ودوافع مختلفة. لكن انطلاقًا من هذه الفكرة استطاع المنهج – وفقًا لأطروحته – تفسير عدد كبير من الظواهر التي كانت تُدرس في العادة بصورة منفصلة. فهو يقدم تفسيرًا للعلاقات الإنسانية، وللدافعية، وللهوية، وللنجاح، وللإبداع، وللغيرة، وللصراعات النفسية، ولنوبات الإجهاد، ولأنماط التربية، ولعدد كبير من المشكلات التي تبدو متفرقة عند النظر إليها من خلال النماذج التقليدية. وكلما استطاعت فكرة واحدة تفسير ظواهر أكثر، ازدادت قيمتها العلمية.

الحياد الحقيقي ليس إنكار النتائج

يُساء فهم الحياد العلمي أحيانًا على أنه التردد أو الامتناع عن الوصول إلى استنتاجات واضحة، لكن الحياد العلمي لا يعني ذلك. فالحياد يعني أن يبدأ الباحث بملاحظة الواقع دون فرض نتائج مسبقة، أما إذا تكررت النتيجة نفسها مئات أو آلاف المرات، فإن الإصرار على تجاهلها لم يعد حيادًا بل يصبح نوعًا آخر من التحيز.

ومن هذا المنطلق فإن قوة منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا تأتي من الرغبة في إثباته، وإنما من تكرار الملاحظات التي بُني عليها. فالمنهج لم يصل إلى تصوراته من خلال دراسة حالة أو عشر حالات، وإنما من خلال عدد كبير من الحالات التي أظهرت أنماطًا متكررة بصورة يصعب تجاهلها. ولهذا فإن الثقة في نتائج المنهج لا تنبع من الإيمان الشخصي به، بل من تكرار الأنماط التي يعتمد عليها مرة بعد أخرى.

لماذا يجد الناس المنهج مقنعًا؟

السبب الحقيقي وراء اقتناع كثير من الناس بأي منهج ليس المصطلحات العلمية المعقدة، وإنما قدرتهم على رؤية الواقع من خلاله بصورة أوضح. فالإنسان لا يقتنع بالنظرية لأنها تستخدم كلمات صعبة، بل لأنه يجدها تفسر حياته وتجربته ومشكلاته بطريقة لم يجدها من قبل. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية. فعندما يفهم الإنسان احتياجاته النفسية الحقيقية، ويفهم سبب الصراعات التي يعيشها، ويفهم لماذا يختلف عن الآخرين، ولماذا تتكرر بعض المشكلات في حياته، يصبح المنهج بالنسبة له أداة تفسير عملية وليست مجرد فكرة نظرية. وهذا ما يمنح أي نظرية القدرة على الاستمرار؛ قدرتها على تفسير الواقع وليس مجرد وصفه.

إن قيمة أي منهج علمي لا تُقاس بمدى توافقه مع الأفكار السائدة، وإنما بمدى قدرته على تفسير الواقع، وتقديم نتائج قابلة للتكرار، والتنبؤ بما سيحدث، وربط الظواهر المختلفة ضمن إطار متسق ومفهوم.

ومن هذا المنظور يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية نفسه باعتباره محاولة لفهم الإنسان انطلاقًا من تركيبه العصبي الوراثي، لا من الأعراض المتفرقة أو التصنيفات السلوكية وحدها. وهو منهج يرى أن البشر ليسوا نسخًا متشابهة تختلف فقط في الظروف والخبرات، بل يمتلكون تراكيب عصبية مختلفة تفسر احتياجاتهم النفسية وقدراتهم وأنماط تفاعلهم مع الحياة.

ولهذا فإن قوة المنهج لا تكمن في كونه يضيف تصنيفًا جديدًا إلى التصنيفات الموجودة، بل في أنه يقدم إطارًا موحدًا لفهم عدد كبير من الظواهر النفسية والإنسانية من خلال مجموعة محدودة ومتسقة من المبادئ الأساسية. وكلما استمرت هذه المبادئ في تفسير الواقع وإنتاج النتائج نفسها عند تطبيقها على حالات جديدة، ازدادت قوة المنهج وازدادت قدرته على إثبات قيمته العلمية والعملية مع مرور الوقت.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى