إسلاميةمفاهيم إسلامية

الفرائض والتكامل النفسي للفرد

بقلم داليا رشوان 

كثير من الناس بعيدون تماما عن الدين، ومنهم من يكتب على سطر ويترك سطرا، ومنهم من التزم بالفرائض كلها وهم أكثر المعنيين بكلامي اليوم لأن سوء خلقهم هو أكثر ما يحزنني، فلو أساء غيرهم يقول الناس “فلان سئ الخلق”، ولكن من التزم بالفرائض بجسده ولم تلتزم جوارحه لن يقول من يراه إلا “انظر المسلمين الملتزمين ماذا يفعلون”، “انظر المصلين ماذا يفعلون”، “انظر الملتحين والمحجبات ماذا يفعلون”، وربما كره أحدهم الدين لأنه يذكره بك أخي الملتزم، كره خلقك وكره معاملاتك فنفَّرتَه من دين الله، فلم يعد سلوكك مجرد وزر سوء الخلق ولكنه وزر دعوة سلبية أو عكسية ضد الإسلام.

أخي يا من تلتزم بالصلاة في المسجد أختي المنتقبة أو المحجبة، أنتم دعوة للإسلام وأنتم صامتون، بمجرد ابتسامة رقيقة لجار، أو كلمة شكر لصديق، أو مساعدة لأحد المحيطين لا تبغي منها إلا وجه الله، تجعل من أمامك يحبك ويحب أن يقلدك، فأنت بأبسط الوسائل تصبح دعوة ايجابية وبأبسطها أيضا تكون دعوتك سيفا مسلطا على رقبتك يوم القيامة.

الموضوع هو أركان الإسلام وما هو المطلوب منا فيها؟ وكيف يكفينا الالتزام بها فقط لدخول الجنة كما في حديث رسول الله (ص) :

عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله رضي الله ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة، فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئاً، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام، فقال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة، فقال: فأخبره رسول الله رضي الله شرائع الاسلام . قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا انقص مما فرض الله شيئاً. فقال رسول الله صل لله عليه وسلم أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق .

 أنا لا أتحدث بصفتي فقيهة في علوم الدين ولكن سأتحدث من خلال علمي المتواضع باحتياجات النفس البشرية، ومدى توافق هذه الفروض معها بالمنطق البسيط لمجرد التذكرة بأصل الدين الذي نتمسك بفروعه ونتصارع عليها دون أن نعي أننا فقدنا صلتنا بالأصل وهذا هو سبب الخلاف الرئيسي.

 إن الانسان بطبعه يحتاج لأن يشعر بالأمان لأن الدنيا دار شقاء منذ الصغر ودار صراع مع المجهول، منذ أن ولدنا ثم دخلنا المدرسة ثم أصبح لن أصدقاء وأعداء ثم جاهدنا من أجل النجاح في الدراسة ثم الكلية وصراع التنسيق ثم اختيار شريك الحياة ومتاهات ساحات العمل، نتمنى ولا يحدث، نجتهد ولا نحصد، نتوقع والدنيا لا تسير على المتوقع إنه حال الدنيا لذا تكون نسبة الانتحار كبيرة في الدول الغربية التي لا تعرف رب العالمين، أما الايمان بالله فيعطيك الأمان الكافي لتحيا وسط هذه الأمواج العاتية مستقرا، لأن الايمان الحق يجعلك تشعر أن لديك سندا، لديك تفسيرا منطقيا للأحداث من حولك، لديك رؤية تتقبل بها الاحباطات التي تعلم يقينا أنها ليست كما تبدو ولكنها خير لا تعلمه، ثم تمر الأيام وتعرف أنه فعلا كان خيرا وتمر الأيام وتجد الأحداث تتشكل في صالحك فيزداد يقينك بالله وهكذا.

 لكن هذا اليقين وهذه العلاقة كيف تُبنى؟ كيف تُبنى وأنت لا ترى الله؟ كيف تشعر بأفعاله وتراه من خلالها؟ مع العلم أنك لا تسير مع تيار الحياة بسهولة وفي نفس الاتجاه هناك من يسحبك في الطريق العكسي لديك نفسا أمارة بالسوء ولديك شيطان ينتظر فرصته ليزين لك كل ما يلهيك عن طريق الله؟

 الإجابة هي في أركان الاسلام التي إن فعلتها استطعت أن تقهر كل ذلك، لكن الفعل هنا ليست حركات ببدنك، فإننا لم يضيعنا إلا فكر الشكليات، وهو أن اجبرك أن تقوم بحركات رياضية دون أن اصل إلى قلبك لأرسخ فيه ما يجعل من هذه الحركات ما يؤتي بالنتائج التي من أجلها فرضها الخالق جل وعلا.

 هذه الفرائض ليست تنغيصا للانسان واقلاق راحته أو أشياء ثقيلة و مضيعة للوقت الثمين الذي نلهو فيه ومضطرين له كما يشعر الكثير، إنما من المفترض أنها شئ تسعى اليه بل تنتظره وتزيد عليه أيضا ولكن فقط إذا فهمته.

 الفرائض كل ما تفعله هي أنها تربطك 24 ساعة بربك الذي خلقك وبهدفك الرئيسي الذي دائما ما يسعى الشيطان أن يلهيك عنه وهو أنك في اختبار مؤقت لمدة قصيرة جدا آخرها إما جنة وإما نار، وإن كانت المدة تبدو لك طويلة فانظر إلى فيلم عربي قديم أبطاله ماتوا جميعا لترى كيف أن الدنيا دار غرور أي تغرك بطولها وهي أقصر مما تتخيل، وتغرك بزينتها وزينتها سراب والدليل على ذلك يكفيك فيه أن تنظر إلى من معه مال هل اكتفى أو من في جاه هل اكتفى هل سكان القصور سعداء واين هم من قصورهم بعد الموت.

 نعود للفرائض التي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد

الشهادتين وهما مثل الأساس الذي تبني عليه ومن دونهما لا اسلام لك فأنت تقر أنك تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله لأنك إن لم تكن تشهد بذلك فلا قيمة لكل ما سيتبع.

الصلاة هي صلة يومية بالله

الصيام (رمضان) هو شهر تأخذ فيه كورس تدريبي على الارتباط الكامل اليومي بالله لتخرج منه متأهبا لأن تحيا بنفس النمط بحكم الاعتياد بعد شهر كامل، وهكذا حتى يأتي العام الذي يليه فتعود لتجدد نفس الكورس لعلك تعود أقوى.

الزكاة: تدريب لك على العطاء للآخرين من اغلى ما تملك لكسر النرجسية والأنانية التي تتميز بها نفسك الأمارة بالسوء حيث تريد أن تستحوز على المال وعلى الخير كله.

الحج: تذكرة لك بيوم القيامة وخروج من الدنيا إلى جو الآخرة وكأنها فرصة يعطيها لك المولى تشعر فيها بالقرب منه سبحانه وبقرب الآخرة ولكن ميزتها أنك تستطيع أن تعود لتعمل صالحا تلك الفرصة التي لن تكون متاحة عند الموت الحقيقي.

هذه هي الفرائض التي من المفترض أن تجعل منك إنسانا آخر غير الذي تراه في المرآة الآن

ولكن هناك شئ وجب التنبيه عليه قبل الاسترسال في كل فرض على حدة

الصلاة ربطها الله بالذكر كالآتي:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103) – النساء

ومعنى ذلك أن ذكر الله سيستمر ما بين الصلوات أي 24 ساعة ذكر لله

والحج ربطه الله بالذكر كالآتي:

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200) – البقرة

كيف يكون الذكر قياما وقعودا وعلى جنوبكم وكيف يكون الذكر كذكر الآباء أو أشد ومعظمكم يظن أن الذكر هو أن تسبح أو أن تهلل أو أن تستغفر وهكذا، هل من المنطقي أنك ستمشي في الأرض ليل نهار تفعل ذلك وهل هذا هو المطلوب لتكون مسلما مثاليا، وهل هذا ما عرفته عن رسول الله (ص) وصحابته (ر)، طبعا لا، الذكر اخوتي هو كل ما يجعلك تربط دنياك بربك فيظل سبحانه في ذهنك ويكون هوعز وجل المحرك لك.

بمعنى آخر الذكر المطلوب منك هو:

أن تُرجِع الفضل في مواهبك وقدراتك وكل ما حولك ومالك أي جميع رزقك إلى الله فتعرف أنه هو الذي وهبك اياها ولا تغتر بها فتعرف أن المال الذي في يديك ليس مالك إنما أمانة وهبها الله لك ومثله زوجتك وبيتك وأولادك وذكاءك وقدراتك ومواهبك في عملك فتعاملهم على أنهم أمانة استأمنك الله عليها فتكون حريصا عليهم، وإذا فعلت هذا فإن شعورك بمراقبة الله لك في كل وقت والحرص على فعل أي شئ وخروج أي قول منك أن يكون على أحسن ما تحب أن يراك الله به فهو ذكر آخر، واستغلالك لأي وقت فراغ بينك وبين أفراد أسرتك أو زملاءك في العمل أو أصدقاءك ومحاولة طرح أي موضوعات خاصة بمعلومة دينية جديدة قد تضفي على حياتهم سعادة أكثر، أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر كما أمرنا الله في سورة العصر هو ذكر، خروجك من بيتك وتعمدك فعل أو قول شئ لدعوة من أمامك إلى الله ذكر، احسان عملك لأن الله يراك ولو لم يراك أحد ولو كان أجرك أقل من احسانك ولكن تفعل ذلك فقط ابتغاء مرضاة الله ذكر، شعورك بالحياء من الله لذنب فعلته أو تقصير قصرته أو شئ فعلته وندمت عليه وانكسرت لله من أجله ذكر، دعاءك لله طلبا لحاجة لك في الدنيا أو الآخرة ذكر، مناجاتك لربك في غرفتك وحدك في عز الليل وشكوتك له سبحانه ذكر، صبرك على ابتلاء واحتسابك الأجر عند الله ذكر.

هل تعرف أخي الآن لماذا وصف الله المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) – النساء

أرأيت لماذا أمر الله الناس بذكره أشد من آبائهم وكيف يكون قياما وقعودا وعلى جنوبهم، لأنك أخي إذا فعلت كل ما فصلناه عن الذكر ستكون كذلك، أنت تستطيع ذلك، لكنك لن تفعله وحدك، إن الشيطان يصور لك أن الطريق بعييييييييييييييييد، وأن السلم لن تستطيع الصعود عليه لأنه فيه مشقة بالغة، وتنسى أن الله يطلب منك أن تثبت فقط جديتك وتعزم وتحتمل في البداية أن ترفع أول رجل وتضعها على أول درجات السلم، ثم هو سبحانه يتولى أن يحملك السلم كله فلا تشعر بشئ، هذا المثال هو أقرب شئ للواقع في البداية مشقة ولكنك حين تثبت جديتك لرب العالمين يهون عليك ويهبك المقدرة والقوة على ما نويته له سبحانه حتى تجد الشئ الثقيل أصبحت تقوم به بشكل تلقائي ودون تعب بل ويرزقك المتعة فيها بعد أن كنت تظن أنك ستعاني من مشقة الاستمرار.

الايمان علاقة بينك وبين ربك وليست علاقة بينك وبين شيخك

سأتحدث في الجزء المقبل عن الصلاة حتى لا أطيل عليكم

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
×

مرحبا!

للحالات التي تحتاج دعم نفسي واستشارات أسرية (بواسطة التليفون أو برامج الاتصال الصوتية) يمكن التواصل والحجز واتس أب

× تحدث معى عبر واتس أب