لسنوات طويلة ظل مفهوم “السايكوباتية” محاطًا بالتصورات الأخلاقية والانفعالية أكثر من الفهم العلمي الحقيقي. فحين يسمع الناس كلمة “سايكوباتي”، يتخيلون فورًا مجرمًا خطيرًا أو قاتلًا عديم الرحمة، بينما الواقع العلمي أكثر تعقيدًا بكثير من هذه الصورة المبسطة. البحث الحديث الذي تناول تصوير أدمغة الأشخاص ذوي السمات السيكوباتية كشف نقطة شديدة الأهمية: امتلاك الإنسان لسمات سيكوباتية لا يعني بالضرورة أنه مجرم، كما أن ليس كل مجرم سيكوباتيًا. وهذه النتيجة في حد ذاتها تهز جزءًا كبيرًا من الطريقة التقليدية التي تم بها فهم الشخصية والسلوك لعقود طويلة.
الدراسة أوضحت أن هناك فروقًا بنيوية حقيقية في الدماغ لدى الأشخاص الذين يحملون هذه السمات، خاصة في المناطق المرتبطة بالتعاطف والانفعالات واتخاذ القرار. أي أن المسألة لا تتعلق فقط بأفكار اكتسبها الإنسان من التربية أو المجتمع، وإنما بطريقة مختلفة يعمل بها الدماغ نفسه. وهنا تحديدًا تظهر نقطة التقاطع الجوهرية مع منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان، الذي يقوم أساسًا على أن البشر لا يمتلكون جهازًا عصبيًا واحدًا متطابقًا، بل أنماطًا عصبية مختلفة تؤدي بطبيعتها إلى اختلافات في المشاعر والدوافع وطريقة التفكير والاستجابة للحياة.
علم النفس التقليدي ظل لفترة طويلة يتعامل مع الشخصية وكأنها صفحة بيضاء تشكلها البيئة والتجارب الحياتية فقط. فإذا أصبح الإنسان عدوانيًا أو قليل التعاطف، تم تفسير ذلك غالبًا على أنه نتيجة صدمات أو تربية سيئة أو بيئة منحرفة. لكن مع تطور أبحاث الأعصاب بدأ يظهر أن الصورة أعقد من ذلك بكثير، فهناك بالفعل فروق في تكوين الدماغ نفسه تسبق التجربة الحياتية، وتجعل بعض الأشخاص أكثر ميلًا لأنماط معينة من التفكير أو السلوك أو الاستجابة الانفعالية.
وهذه النقطة هي واحدة من أهم الأسس التي يقوم عليها منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية. فالمنهج لا يرى الشخصية مجرد عادات نفسية أو أنماط تربوية، بل يرى أن كل شخصية تمثل تركيبًا عصبيًا وراثيًا مختلفًا، له نقاط قوة ونقاط ضعف واحتياجات نفسية خاصة به. ولذلك فإن الشخصية المعادية (المقتصّة) مثلًا لا تُفهم في المنهج باعتبارها “شخصية شريرة”، وإنما باعتبارها جهازًا عصبيًا مختلفًا يتميز بصفات مثل الجرأة العالية والقدرة على المواجهة والثبات الانفعالي، والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة بارتجالية سريعة دون الانهيار العاطفي الذي يحدث لدى شخصيات أخرى.
وهنا تظهر خطورة الخلط بين “التركيبة العصبية” و”السلوك الأخلاقي”. فالمجتمع كثيرًا ما يتعامل مع أي شخص قليل التعاطف أو شديد البرود الانفعالي على أنه شخص شرير بالضرورة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا، فقلة التعاطف لا تعني تلقائيًا الإجرام، تمامًا كما أن ارتفاع التعاطف لا يعني الفضيلة أو الحكمة. الإنسان قد يمتلك جهازًا عصبيًا يجعله أقل تأثرًا عاطفيًا بمعاناة الآخرين، لكنه في الوقت نفسه يختار أخلاقيًا ألا يؤذي أحدًا. وقد نجد العكس أيضًا، شخصًا عاطفيًا للغاية لكنه يؤذي الناس بسبب ضعفه أو اندفاعه أو أنانيته.
هذه النقطة تحديدًا شديدة الأهمية لأنها تعيد تعريف مفهوم المسؤولية الإنسانية بصورة أكثر دقة. فالاختلافات العصبية لا تلغي حرية الاختيار، لكنها تفسر لماذا تختلف دوافع البشر واستجاباتهم من الأساس. بعض الناس يشعرون بالخوف بسرعة، وبعضهم لا يشعرون به إلا بدرجات محدودة. بعض الناس يتأثرون بشدة بمعاناة الآخرين، وبعضهم يتعاملون مع الأمور بصورة عملية وباردة نسبيًا. هذه ليست مجرد فروق أخلاقية، بل فروق في طريقة عمل الدماغ نفسه.
والأهم أن البحث يثبت أن الشخصية لا يمكن اختزالها في البيئة وحدها. صحيح أن البيئة والتربية والخبرات الحياتية تؤثر بقوة، لكن وجود فروق بنيوية في الدماغ يعني أن هناك أساسًا عصبيًا سابقًا على التجربة نفسها. أي أن الإنسان لا يبدأ حياته من نقطة صفر متطابقة مع الجميع، وإنما يولد بجهاز عصبي معين يجعله أكثر قابلية لأنماط محددة من التفكير والانفعال.
وهذا ما يفسر لماذا يخرج شخصان من نفس البيئة بنتائج نفسية مختلفة تمامًا. فقد يعيش أخوان في المنزل نفسه، ويتعرضان لنفس التربية تقريبًا، ثم نجد أحدهما شديد الحساسية والتعاطف، بينما الآخر أكثر برودًا وميلاً للسيطرة أو المواجهة. التفسير التقليدي غالبًا ما يعجز عن فهم هذه الفروق بدقة، لأنه يركز بصورة مفرطة على العوامل البيئية، بينما يتجاهل الاختلافات العصبية الوراثية الأصلية.
منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يضع هذه الفروق العصبية في قلب التفسير النفسي منذ البداية. فالشخصية النرجسية (القيادية) مثلًا تختلف عصبيًا عن الشخصية الحدية (المبدعة)، وهذه تختلف عن الشخصية المعادية (المقتصّة)، وهكذا. كل شخصية لها طريقة مختلفة في استشعار الخطر، والتعامل مع المشاعر، وفهم العلاقات، واتخاذ القرارات. ولذلك فإن محاولة تفسير جميع البشر بالقوانين النفسية نفسها تؤدي بالضرورة إلى أخطاء ضخمة في الفهم والعلاج.
البحث الخاص بالسيكوباتية يسلط الضوء أيضًا على نقطة أخرى مهمة، وهي أن بعض الصفات التي تُعتبر سلبية قد تكون في ظروف معينة مفيدة أو حتى ضرورية. فالبرود الانفعالي النسبي، وضعف الخوف، والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة تحت الضغط، كلها صفات قد تجعل الإنسان أكثر قدرة على المواجهة في مواقف معينة. المشكلة لا تكون في وجود هذه الصفات نفسها، وإنما في كيفية توجيهها وضبطها أخلاقيًا واجتماعيًا.
وهذا ما يفسر لماذا قد نجد بعض الأشخاص ذوي السمات السيكوباتية ناجحين في مجالات تحتاج إلى الحسم والمواجهة وتحمل الضغوط، دون أن يكونوا مجرمين. فليست كل الصفات العصبية المختلفة مرضًا، وليست كل الاختلافات دليل فساد أو انحراف. أحيانًا يكون المجتمع نفسه غير قادر على استيعاب التنوع العصبي البشري، فيحول أي اختلاف عن الصورة التقليدية إلى “اضطراب”.
وهنا تظهر إحدى أكبر مشكلات الطب النفسي التقليدي، وهي أنه كثيرًا ما يخلط بين “الاختلاف” و”المرض”. فليس كل شخص يختلف عن المتوسط مريضًا نفسيًا. بعض الناس فقط يملكون أجهزة عصبية مختلفة تؤدي إلى أنماط مختلفة من الحياة والسلوك والشعور.
ومع تطور أبحاث تصوير الدماغ، يبدو أن العلم يتحرك تدريجيًا نحو هذه الرؤية. فبدلًا من الاكتفاء بوصف السلوكيات الظاهرة، بدأ الباحثون يبحثون عن البنية العصبية التي تنتج هذه السلوكيات. وهذا تحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل فهم الإنسان من مستوى الملاحظة السطحية إلى مستوى أعمق يتعلق بطريقة تكوين الدماغ نفسه.
إن ما تكشفه هذه الدراسات الحديثة لا يدعم فقط فكرة وجود اختلافات عصبية حقيقية بين البشر، بل يدعم أيضًا ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها الشخصية والاضطرابات النفسية عمومًا. فبدلًا من التعامل مع الإنسان كنسخة مكررة يجب أن تفكر وتشعر بالطريقة نفسها، يصبح من الضروري الاعتراف بأن التنوع العصبي جزء أصيل من الطبيعة البشرية.
وهذا بالضبط ما يحاول منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية تقديمه: فهم الإنسان على أساس الاختلافات العصبية الوراثية الحقيقية، وليس فقط على أساس السلوك الظاهر أو التصنيفات التقليدية الجامدة. فكلما تقدم العلم في كشف الفروق البنيوية في الدماغ، أصبح من الصعب تجاهل أن الشخصية ليست مجرد نتاج بيئة، بل انعكاس لتركيب عصبي أعمق بكثير مما تصورته المدارس النفسية التقليدية.
رابط البحث:
Brain scans reveal a shocking difference between psychopaths and other people










