البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

الفرق بين تناول الصدمة النفسية في الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

تُعد الصدمة النفسية من أكثر المفاهيم حضورًا في علم النفس والطب النفسي الحديث، حتى أصبحت في العقود الأخيرة محورًا أساسيًا في تفسير عدد هائل من المشكلات النفسية والسلوكية والانفعالية. فالكثير من المدارس النفسية المعاصرة تميل إلى اعتبار الصدمات النفسية نقطة البداية التي تُبنى عليها الاضطرابات، والانفعالات المضطربة والعلاقات المعقدة بل وحتى صورة الإنسان عن نفسه والعالم من حوله.

ومع اتساع هذا الاتجاه أصبح من الشائع تفسير كثير من السلوكيات على أنها استجابة لصدمة، أو نتيجة لطفولة قاسية، أو انعكاس لخبرات مؤلمة عاشها الإنسان في مراحل سابقة من حياته.

لكن رغم أهمية الصدمات النفسية وتأثيرها الحقيقي على الإنسان، فإن طريقة تناولها في الممارسات النفسية الحالية، من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية تعاني من مشكلة جوهرية، وهي أنها كثيرًا ما تضع الصدمة في مركز التفسير، بينما تُهمل طبيعة الشخص الذي تعرّض لهذه الصدمة أصلًا. وكأن الحدث الخارجي وحده هو ما يصنع النتيجة النفسية، دون فهم كافٍ للبنية العصبية الوراثية المختلفة بين البشر.

في الممارسات النفسية الحالية يُنظر إلى الصدمة النفسية باعتبارها حدثًا يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال، ويترك أثرًا نفسيًا طويل المدى قد يظهر في صورة قلق أو اكتئاب أو اضطرابات في العلاقات أو خوف أو فرط يقظة أو تجنب أو حتى اضطرابات هوية وشعور مزمن بعدم الأمان. وتعتمد كثير من المدارس العلاجية على إعادة استكشاف الصدمات القديمة وتحليلها وربطها بالمشكلات الحالية، انطلاقًا من فكرة أن الجرح النفسي القديم هو المفتاح لفهم الإنسان الحالي.

لكن الإشكالية هنا أن هذا الطرح قد يؤدي أحيانًا إلى التعامل مع البشر وكأنهم يستجيبون بالطريقة نفسها للأحداث نفسها، بينما الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالحدث الواحد قد يترك آثارًا مختلفة تمامًا بين شخص وآخر، بل إن بعض الأشخاص قد يخرجون من تجارب قاسية أكثر قوة أو أكثر نشاطًا أو أكثر اندفاعًا للحياة، في حين ينهار آخرون نفسيًا من أحداث تبدو أقل حدة بكثير.

ومن هنا يبدأ الاختلاف الجوهري الذي يطرحه منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان. فالمنهج لا ينكر تأثير الصدمات النفسية لكنه يرفض أن تكون الصدمة وحدها هي المحور الأساسي لفهم الإنسان، لأن السؤال الأهم هنا ليس فقط: “ماذا حدث لهذا الإنسان؟”، بل أيضًا: “من هو هذا الإنسان أصلًا؟”.

يرى منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أن البشر لا يمتلكون الأجهزة العصبية نفسها ولا الاحتياجات النفسية نفسها ولا طرق الاستجابة نفسها. ولذلك فإن تأثير الصدمة لا يمكن فهمه بمعزل عن نوع الشخصية العصبية الوراثية التي تعرضت لها. فالصدمة لا تعمل في الفراغ بل تتفاعل مع بنية عصبية موجودة مسبقًا ومع احتياجات نفسية مختلفة ومع طريقة مختلفة في التفكير والانفعال والإدراك.

فالشخصية النرجسية (القيادية) مثلًا، التي تقوم بنيتها النفسية على الاحتياج للأمان والسيطرة والدراسة والتخطيط، قد تكون أكثر تأثرًا بالصدمات التي تهدد الإحساس بالأمان أو السيطرة أو المكانة. بينما الشخصية الحدية (المبدعة)، ذات النشاط الذهني المرتفع والانفعال السريع، قد تستجيب للصدمة بطريقة مختلفة تمامًا، فتقع في نوبة إجهاد الشخصية الحدية بأعراضها والتي تتأثر ببقية شخصيات التركيبة العصبية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية، لو معها شخصية ارتيابية يدخل الإنسان في ضلالات أو ذهان، أو يتحول الأمر أحيانًا إلى نشاط مفرط أو اندفاع أو محاولات هائلة للإنجاز والعطاء أو الهروب إلى الحركة المستمرة.

أما الشخصية التجنبية (المجتهدة)، التي تقوم على القلق والتدقيق والحذر، فقد تتحول الصدمة لديها إلى خوف مزمن أو انسحاب أو نوبات هلع أو  محاولات مستمرة لتجنب الخطأ أو الأذى. وهكذا لا تصبح الصدمة كيانًا مستقلًا يفسر كل شيء، بل تصبح حدثًا يتشكل أثره بحسب طبيعة الجهاز العصبي الذي استقبله.

وهنا يظهر الفرق العميق بين المنهجين، فالممارسات النفسية الحالية كثيرًا ما تتعامل مع الصدمة باعتبارها سببًا مباشرًا للاضطراب، بينما يرى منهج البناء العصبي الوراثي أن الصدمة في كثير من الأحيان تعمل كمُحفّز أو كاشف أو مضخم لبنية موجودة أصلًا داخل الإنسان.

ولهذا فإن المنهج يرفض فكرة أن جميع البشر إذا تعرضوا للظروف نفسها سيخرجون بالنتائج النفسية نفسها. بل يرى أن الاختلاف في التركيبة العصبية هو العامل الذي يحدد:

  • ما الذي يعتبره الإنسان صدمة أصلًا،
  • وكيف يفسره،
  • وكيف يتفاعل معه،
  • وما الأثر الذي يتركه داخله،
  • وكيف يحاول التعافي منه.

فبعض الشخصيات قد ترى في موقف معين إهانة ساحقة تهدد وجودها النفسي، بينما يراه شخص آخر أمرًا عابرًا. وبعض الشخصيات قد تتأذى بشدة من الإهمال العاطفي، بينما يتأثر غيرها أكثر بفقدان السيطرة أو بالفشل أو بالخيانة أو بالقيود أو بالفوضى أو بالرفض الاجتماعي. وهذا يعني أن الصدمة ليست مجرد حدث، بل هي حدث يُفسَّر من خلال طبيعة الشخصية نفسها.

كما ينتقد منهج البناء العصبي الوراثي الطريقة التي تُختزل بها أحيانًا حياة الإنسان بالكامل في جرح قديم. فبعض المدارس النفسية تجعل الإنسان أسيرًا دائمًا لماضيه، وتفسر كل تصرفاته الحالية باعتبارها امتدادًا لطفولته أو صدماته السابقة. بينما يرى المنهج أن هذا التناول قد يُضعف الإنسان أحيانًا، لأنه يغفل طبيعته العصبية الفطرية وقدرته على إدارة نفسه بصورة واعية.

فالإنسان وفقًا للمنهج ليس مجرد نتيجة للصدمات، بل يمتلك بنية عصبية لها احتياجاتها ودوافعها وطرقها الخاصة في التكيف. ولذلك فإن فهم الشخصية قد يكون أكثر أهمية من إعادة استحضار الألم بصورة مستمرة دون فهم الآلية الحقيقية خلفه.

ومن النقاط الجوهرية أيضًا أن منهج البناء العصبي الوراثي لا يتعامل مع جميع الأعراض الناتجة عن الصدمة باعتبارها مرضًا نفسيًا مستقلًا. ففي كثير من الأحيان، قد تكون بعض التفاعلات النفسية محاولات طبيعية من الجهاز العصبي للتكيف أو الحماية أو التعويض، لكنها تُفهم خطأً داخل التصنيفات التقليدية.

فالشخصية الحدية مثلًا قد تدخل بعد الصدمات في حالة من النشاط الذهني الهائل وكثرة التفكير والرغبة في الإنجاز والتنقل بين الأهداف والبحث المستمر عن المعنى أو التغيير. وفي الممارسات النفسية الحالية قد يُنظر إلى هذا النشاط باعتباره اضطرابًا أو اندفاعية مرضية، بينما يراه المنهج جزءًا من طبيعة الشخصية الحدية نفسها وإن كانت الصدمة قد ضاعفت حدته أو أخرجته عن السيطرة.

كما أن بعض الشخصيات قد تلجأ بعد الصدمة إلى السيطرة الشديدة أو التخطيط المفرط أو الانغلاق أو التمرد أو حتى السخرية والعدوانية لا لأنها فقدت ذاتها بالضرورة، بل لأن جهازها العصبي يحاول استعادة التوازن بالطريقة التي تناسب تركيبته النفسية الخاصة.

وهذا يقود إلى اختلاف مهم جدًا في العلاج، فالممارسات النفسية الحالية تركز كثيرًا على استرجاع الصدمة وتحليلها وتفريغ المشاعر المرتبطة بها، بينما يركز منهج البناء العصبي الوراثي على فهم:

  • كيف تعمل هذه الشخصية أصلًا،
  • وما احتياجاتها النفسية،
  • وكيف تدير نشاطها الذهني والانفعالي،
  • وما الذي يجعلها تستعيد توازنها الحقيقي.

فالمنهج لا يرى أن العلاج الحقيقي يتم فقط عبر الحديث عن الألم، بل عبر فهم الإنسان لنفسه وطبيعته العصبية، لأن كثيرًا من المعاناة تنشأ من محاولة الإنسان أن يعيش بطريقة لا تناسب تركيبته النفسية.

كما أن المنهج يطرح فكرة مهمة، وهي أن بعض ما يسمى “اضطرابات ما بعد الصدمة” قد يكون في الحقيقة تفاعلًا مختلفًا بين الصدمة والشخصية. فليس كل فرط يقظة يعني الشيء نفسه، وليس كل انسحاب أو خوف أو غضب أو اندفاع يحمل الآلية النفسية ذاتها. ولهذا فإن التعامل مع البشر بوصفهم حالات متشابهة قد يؤدي إلى أخطاء كبيرة في الفهم والعلاج.

ومن هنا فإن منهج البناء العصبي الوراثي يحاول إعادة ترتيب العلاقة بين الصدمة والشخصية. فبدلًا من جعل الصدمة مركز كل شيء، يعيد المنهج الإنسان نفسه إلى مركز الفهم، لأن الحدث الخارجي مهما كان قويًا، يظل يمر أولًا عبر جهاز عصبي مختلف من شخص لآخر.

كما يرفض المنهج اختزال الإنسان في دور الضحية بصورة دائمة، لأن هذا قد يحول الصدمة نفسها إلى هوية يعيش داخلها الإنسان بقية حياته. بينما يركز المنهج على فهم كيفية إدارة الشخصية لنفسها واستعادة توازنها من خلال فهم احتياجاتها الحقيقية وطبيعة تكوينها العصبي.

وفي النهاية يكشف الفرق بين الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية عن اختلاف فلسفي وعلمي عميق في فهم الإنسان. فبينما تميل كثير من المدارس الحديثة إلى تفسير الإنسان من خلال ما حدث له، يحاول منهج البناء العصبي الوراثي فهم الإنسان من خلال ما هو عليه أصلًا، ثم دراسة كيف تفاعلت شخصيته العصبية مع ما مرّ به من أحداث وتجارب وصدمات.

ومن هنا تصبح الصدمة النفسية ليست مجرد قوة غامضة تعيد تشكيل الجميع بالطريقة نفسها، بل تجربة تتفاعل مع أنماط عصبية مختلفة فتنتج استجابات مختلفة ومسارات مختلفة وطرقًا مختلفة في الألم والتعافي وإعادة بناء الحياة.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى