الإثنين , 26 يونيو 2017
آخر الموضوعات

الحياة كمائن

testأود أن التحدث عن أهداف الظالم بعيدا عن جزاء الظالمين ومثواهم في الآخرة وما إلى ذلك، وليس هدفي ظلم بعينه على مستوى الدول فقط ولكن الظلم الذي قد يقع فيه أي إنسان مهما كانت ثقافته الدينية، فهناك الكثير من المواقف الصغيرة التي نواجهها قد نظلم فيها من حولنا على اعتبار أن المصلحة تقتضي ذلك.

الظلم يأتي من طمع في خير بنظرة دنيوية بحتة ترى فيها أن أخذك لخير في متناول يدك بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية هو أحد سبل الرزق المشروع خاصة لو كان سبيلا سهلا وليس بينك وبينه إلا عقد النية.

ولكن مبادرتك لظلم الناس بنفس راضية يفضح الطمع الدنيوي داخل نفسك حتى لو كنت تسكن الحرم وتصلي فيه ليل نهار، ليس لك حجة، كما سأربهن لكم لاحقا.

الحجج كثيرة .. فقد تقول أن الخير أصبح قليل في الناس فلا يمكن التعامل معهم إلا بهذه الطريقة، أو أن هذا هو الأسلوب المتبع الذي يتعامل به الناس في هذا الزمن، أو أن من أمامك يسيئ أو أنه لا يستحق، أو أنك في حاجة للمال فالمصلحة تحكم، أوقد ترى أنها فرصة وأنت شخص تحب أن تقتنص الفرص وتصور لنفسك أن ما تفعله ذكاء ودهاء وأن الآخر أو الطرف المظلوم غبي وهو يستحق ما حدث له لغباؤه.

قل ما شئت ولكن كل هذه الحجج تعتمد على اعتبارات خاصة بنظرتك لنفسك أنك أخذت مكسبا ماديا  وأن الآخر خسر دون أن تفهم أنك لن تسير بعيدا بهذا المكسب لأن مصيرك في يد رب العالمين وهو سبحانه لن يتركك تسير به فسينتقم منك ويخسرك أضعاف ما كسبت. أي أنك تسببت فيما ألم بك لأنك اخترت أن تفعل بنفسك ذلك وقد ظلمتها بدلا من أن تظلم الآخر.

الدنيا تسير وفق سنن ثابتة يراها ويعلمها المؤمن والكافر.

أنت بظلمك تظلم نفسك لأنك تعرضها للعقاب ولن يتبقى معك أي مكسب ولو بسيط مما أخذت، فكل ما أخذته من المظلوم سيؤخذ منك أضعافا.

{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}  [فاطر 32]

بينما المظلوم هو الذي فاز لأنه بظلمك يعوضه الله خيرا مما أُخذ منه وعليه أجر إضافي وهو أجر الصبر والاحتساب. أي أنك فعليا لا تضره بل تضر نفسك. وكم من مظلوم اغدق الله عليه من النعم لظلم تحمله.

{وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت 6]

لذا تستطيع أن تفهم معنى قوله تعالى:

{مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء 15]

{وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [النمل 92]

{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان 12]

{… وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر 18]

{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات 113]

جانب آخر من الظلم وهو أن تمسك يدك عن حقوق الآخرين في مالك فتبخل على الناس بما أعطاك الله ظنا منك أنك حققت لنفسك مكسبا ماديا ولكن يقول الله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد 38]

أنت تبخل على نفسك لأن ما ستخرجه من الحقوق  لوجه الله سيرد إليك أضعافا فكل ما فعلت أنك منعت عن نفسك هذا الرزق المضاعف وبخلت على نفسك وارتضيت بما لديك من قليل وأغضبت الله الغني الرزاق القادر على أن يعوضك برزق ليس له آخر؛ اخترت وفضلت أن تظل فقيرا مغضوب عليك.

فكرة الغباء هنا أنك لم تحصد لنفسك بظلمك وبخلك شيئا ولو أن هدفك كان تحصيل خير لنفسك، بل أوقعت على نفسك ضررا لن تستطيع أن تتحاشاة، واغضبت من يملك روحك وقلبك وفي لحظة يمكن أن يجعلك في أسفل سافلين. وكان أولى بك أن تتقي الله في الناس ولو أن تترك خيرا يبدو كثيرا لأنك تطمع في الله أن يعطيك من خزائنه التي لا تفرغ خيرا كثيرا وتكون في راحة نفسية لأن في حفظ الله عز وجل.

وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلـكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ ﴿٩٦﴾ أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا بَياتًا وَهُم نائِمونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا ضُحًى وَهُم يَلعَبونَ ﴿٩٨﴾ أَفَأَمِنوا مَكرَ اللَّـهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الخاسِرونَ ﴿٩٩﴾

وتذكر أنه حين ينفتح أمامك سبل لظلم الناس في المواقف اليومية كإنسان يحتاج شئ أو عمل يحتاج إتقان أو عمل حرام ذو مكسب يُعرض عليك أو تطلب لشهادة حق فتخنع لظالم أو شخص يعمل لك عمل ما وتبخل أن تعطيه حقه فتستنزفه وتبخس أجره وما إلى ذلك أو المواقف الأخرى “شبه” الاستثنائية كالسرقة والقتل والزنا وما إلى ذلك، هي ليست فرص بل اختبارات وبلغة أخرى كمائن لك يضعها الله سبحانه في طريقك حتى تُثبت بشكل دوري إما أنك على العهد مع رب العالمين أو أن نفسك بدأت تزيغ. مواقف يومية كثيرة جدا تأتي لتحدد هل أنت صادق مع الله أم كاذب، فإن كنت صادقا ارتفعت مقاما وإن كنت كاذبا فسيكون حجة عليك حتى تلقى ما كنت تعمل في الدنيا والآخرة.

وقد أقسم رب العزة أنه سيفرق بين الصادق والكاذب فاحذره سبحانه فحياتك كلها كمائن.

قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} [العنكبوت]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*