السرقة المرضية بين التفسير النفسي التقليدي ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية
تُعد السرقة المرضية من السلوكيات التي حيّرت علماء النفس والطب النفسي منذ زمن طويل. فالسرقة بحد ذاتها ليست ظاهرة غامضة إذا ارتبطت بالحاجة أو بالمصلحة أو بالدوافع الإجرامية الواضحة. لكن ما يثير التساؤل هو ظهور نمط من السرقة يقوم به بعض الأشخاص رغم عدم حاجتهم المادية لما يسرقونه، بل أحيانًا مع إدراكهم التام لخطورة ما يفعلون. هذا النمط من السلوك دفع علماء النفس إلى تصنيفه بوصفه اضطرابًا نفسيًا يُعرف باسم “السرقة المرضية”.
في الممارسات النفسية المعاصرة تُفسَّر السرقة المرضية (Kleptomania) غالبًا ضمن إطار اضطرابات التحكم في الدوافع أو بعض اضطرابات الشخصية، ويُنظر إليها باعتبارها خللًا في القدرة على مقاومة الإغراء أو ضبط السلوك. غير أن هذه التفسيرات تركز غالبًا على السلوك الظاهر دون أن تقدم تفسيرًا بنيويًا عميقًا لطبيعة الشخص الذي يقوم بهذا الفعل. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المقاربة التقليدية وبين منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، الذي ينظر إلى السلوك الإنساني عمومًا، وإلى السرقة المرضية خصوصًا، في ضوء البنية العصبية للشخصية وما تحمله من دوافع واتجاهات فطرية.
السرقة المرضية في الممارسات النفسية المعاصرة
في الأدبيات النفسية التقليدية يُعرّف اضطراب السرقة المرضية بأنه اندفاع متكرر لسرقة أشياء لا يحتاجها الشخص غالبًا، وقد لا تكون لها قيمة مادية كبيرة بالنسبة له. ويشعر الشخص عادة بتوتر أو ضغط داخلي قبل القيام بالسرقة، ثم يشعر بنوع من الارتياح أو التفريغ بعد تنفيذها.
وتُصنَّف هذه الحالة في كثير من الأدلة التشخيصية ضمن اضطرابات التحكم في الدوافع، كما ورد وصفها في DSM-5. ويُفترض في هذا الإطار أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة على مقاومة الدافع أو تأجيل الإشباع. ومن هذا المنظور يحاول العلاج النفسي التعامل مع الحالة عبر عدة وسائل، مثل العلاج السلوكي المعرفي الذي يهدف إلى تدريب الشخص على مقاومة الدافع، أو استخدام بعض الأدوية التي تساعد على تقليل الاندفاع أو التوتر الداخلي. وقد تنجح هذه الأساليب أحيانًا في تقليل السلوك، لكنها لا تقدم دائمًا تفسيرًا واضحًا لسبب ظهور هذا الاندفاع لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.
محدودية التفسير التقليدي
تكمن المشكلة الأساسية في التفسير التقليدي للسرقة المرضية في أنه يتعامل مع الظاهرة بوصفها اضطرابًا واحدًا متشابهًا لدى جميع الأفراد. لكن الواقع يظهر أن الأشخاص الذين يمارسون هذا السلوك قد يختلفون اختلافًا كبيرًا في دوافعهم وطبيعة شخصياتهم.
فبعضهم قد يسرق بدافع الإثارة أو التحدي، بينما يفعل آخرون ذلك بدافع التفريغ الانفعالي، وقد يقوم آخرون به نتيجة اندفاع لحظي دون تفكير عميق في العواقب. هذه الاختلافات تشير إلى أن السرقة المرضية ليست ظاهرة واحدة ذات سبب واحد، بل سلوك قد ينشأ من بنيات نفسية مختلفة.
غير أن النموذج التقليدي غالبًا ما يضع هذه الحالات المختلفة في إطار تشخيصي واحد، مما يجعل التفسير والعلاج أقل دقة في كثير من الأحيان.
السرقة في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية
في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية يُنظر إلى السلوك الإنساني باعتباره انعكاسًا للبنية العصبية للشخصية، وليس مجرد نتيجة لدوافع عابرة أو خلل عام في ضبط السلوك. ومن هذا المنطلق لا تُفسَّر السرقة المرضية بوصفها اضطرابًا منفصلًا، بل يُنظر إليها كفعل قد يظهر في بعض التركيبات الشخصية أكثر من غيرها، تبعًا لطبيعة الدوافع العصبية التي تحرك تلك الشخصية.
فالشخصيات في هذا المنهج ليست متشابهة في دوافعها الأساسية. فبعضها يميل إلى المغامرة والتحدي، وبعضها يسعى إلى لفت الانتباه، وبعضها يبحث عن السيطرة أو تحقيق المصلحة. وعندما تتفاعل هذه الدوافع مع ظروف معينة قد يظهر سلوك مثل السرقة بدرجات مختلفة.
السرقة كبحث عن الإثارة أو التحدي
في بعض التركيبات الشخصية قد يكون الدافع وراء السرقة هو البحث عن الإثارة أو الشعور بالتحدي. فبعض الشخصيات تمتلك ميلًا طبيعيًا إلى كسر القواعد أو اختبار الحدود الاجتماعية، وقد تجد في السرقة نوعًا من المغامرة أو التفوق على النظام. في هذه الحالة لا يكون الدافع الأساسي الحاجة المادية، بل الشعور بالانتصار على القيود أو إثبات القدرة على تجاوزها. وهذا يفسر لماذا قد يسرق بعض الأشخاص أشياء لا يحتاجون إليها أصلًا، لأن الهدف الحقيقي ليس الحصول على الشيء، بل التجربة نفسها.
السرقة كوسيلة لجذب الانتباه
في تركيبات شخصية أخرى قد يظهر السلوك بدافع مختلف، وهو جذب الانتباه أو إثارة ردود فعل الآخرين. فبعض الشخصيات تميل إلى لفت الانتباه بشتى الطرق، وقد تستخدم سلوكيات غير متوقعة لتحقيق هذا الهدف. وفي هذه الحالة قد تكون السرقة وسيلة غير مباشرة للحصول على اهتمام الآخرين أو إثارة الضجة حول الشخص. هذا النوع من الدوافع يختلف تمامًا عن الدوافع المرتبطة بالإثارة أو التحدي، لكنه قد يظهر في السلوك نفسه، وهو ما يجعل التفسير السلوكي وحده غير كافٍ لفهم الظاهرة.
السرقة كتنفيس عن ضغط داخلي
في بعض الحالات قد تكون السرقة وسيلة لتفريغ توتر داخلي متراكم. فبعض الشخصيات التي تعاني من ضغط نفسي شديد قد تلجأ إلى سلوكيات اندفاعية كنوع من التنفيس المؤقت. وهنا يشبه السلوك بعض الأفعال الأخرى المرتبطة بالاندفاع مثل الإفراط في الشراء أو المقامرة، حيث يشعر الشخص بنوع من الراحة المؤقتة بعد القيام بالفعل. لكن هذا النوع من السرقة لا يرتبط دائمًا بالدوافع نفسها لدى جميع الأشخاص، لأن طريقة التعامل مع الضغط تختلف باختلاف البنية العصبية للشخصية.
دور التركيبة الشخصية في شكل السلوك
من أهم مبادئ منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية أن الشخصية غالبًا لا تكون مفردة، بل تتكون من تركيب ثنائي أو ثلاثي من الأنماط الشخصية. وهذا يعني أن السلوك الظاهر قد يتأثر بتفاعل أكثر من بنية عصبية داخل الشخص. فإذا اجتمع الميل إلى التحدي مع الميل إلى الاندفاع مثلًا، فقد يظهر السلوك في صورة سرقة بدافع الإثارة. أما إذا اجتمع الميل إلى جذب الانتباه مع الحساسية الانفعالية، فقد يظهر السلوك في صورة فعل درامي يهدف إلى لفت النظر. هذا التفاعل بين مكونات الشخصية يفسر التنوع الكبير في أشكال السرقة المرضية بين الأفراد.
الفرق في الهدف العلاجي
يظهر الفرق بين الممارسات النفسية التقليدية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية بوضوح في الهدف العلاجي. ففي الممارسات التقليدية يكون الهدف غالبًا هو تقليل السلوك من خلال:
- تدريب الشخص على مقاومة الاندفاع
- تعديل الأفكار المرتبطة بالسلوك
- استخدام بعض الأدوية لتقليل التوتر أو الاندفاع
لكن في منهج البناء العصبي الوراثي يصبح الهدف أوسع من مجرد إيقاف السلوك. فالمعالج يحاول فهم البنية الشخصية التي تقف وراءه. فإذا كان السلوك مرتبطًا بالبحث عن الإثارة، فإن التعامل معه يتطلب إيجاد قنوات صحية لتفريغ هذا الميل. وإذا كان مرتبطًا بالحاجة إلى الانتباه، فإن الحل يكمن في فهم هذه الحاجة وتوجيهها بطرق أكثر صحة. وبذلك يصبح العلاج عملية إعادة توازن للشخصية بدل أن يكون مجرد محاولة لكبح سلوك معين.
السلوك بين المسؤولية الشخصية والبنية العصبية
من النقاط المهمة في هذا المنهج أن تفسير السلوك من خلال البنية العصبية لا يعني إعفاء الشخص من مسؤوليته عن أفعاله. فالسلوك الإنساني يبقى في النهاية اختيارًا يقوم به الفرد. لكن فهم البنية العصبية يساعد على تفسير لماذا يميل بعض الأشخاص إلى سلوكيات معينة أكثر من غيرهم، وهو ما يسمح بتعامل أكثر واقعية مع المشكلة.
نحو فهم أعمق للسلوك الإنساني
تكشف المقارنة بين الممارسات النفسية التقليدية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية عن اختلاف جوهري في زاوية النظر إلى السرقة المرضية. ففي حين تميل الممارسات التقليدية إلى تفسيرها بوصفها اضطرابًا في التحكم في الدوافع، يحاول منهج البناء العصبي الوراثي فهمها في ضوء البنية العصبية للشخصية والدوافع المرتبطة بها. هذا الفهم لا يهدف إلى تبرير السلوك أو التقليل من خطورته، لكنه يسعى إلى تقديم تفسير أعمق يراعي التنوع الكبير في طبيعة البشر ودوافعهم. وعندما يُفهم السلوك في سياقه البنيوي يصبح من الممكن التعامل معه بطرق أكثر دقة وفاعلية، بدل الاكتفاء بمحاولة إيقافه دون فهم جذوره الحقيقية.










