هل يساعد منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية غير المتخصصين في ضبط مشكلاتهم النفسية؟
يشهد العالم اليوم تصاعدًا في معدلات الاضطرابات النفسية، من الاكتئاب والقلق إلى الاضطرابات المعقدة المرتبطة بالشخصية. وتتمثل المعضلة الكبرى في أن أعدادًا هائلة من الناس لا تجد طريقها إلى العلاج المتخصص، إما لأسباب اقتصادية، أو اجتماعية، أو بسبب انعدام الثقة في النظم العلاجية التقليدية. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى مناهج شاملة يمكن أن يستفيد منها غير المتخصصين، لتمنحهم أدوات أولية لفهم أنفسهم وضبط مشكلاتهم النفسية.
وفي هذا السياق، يبرز منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة أ. داليا رشوان باعتباره محاولة رائدة لتجاوز حدود الطب النفسي وعلم النفس التقليدي. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع غير المتخصص أن يوظف هذا المنهج بنفسه لضبط مشكلاته؟ أم أن الأمر يتطلب دائمًا تدخل معالج مدرّب؟
طبيعة منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية
لفهم حدود الاستفادة الذاتية من المنهج، لا بد من تبيان طبيعته.
- إعادة صياغة الشخصية:
- ينطلق المنهج من فرضية أن الشخصية ليست اضطرابًا، بل بنية عصبية وراثية ذات خصائص ودوافع واحتياجات.
- ما يُسمى في التصنيفات التقليدية بـ “اضطراب” هو في الحقيقة نمط طبيعي أسيء فهمه أو قُمعت احتياجاته.
- الفصل بين الشخصية والاضطراب النفسي:
- يرى المنهج أن الاضطرابات النفسية (مثل الاكتئاب أو القلق أو الذهان) يمكن أن تصيب أي شخصية، لكنها ليست تعريفًا للشخصية نفسها.
- وهذا يتيح للفرد أن يفهم نفسه بعيدًا عن وصمة “المرض”.
- الأداة الجوهرية: إعادة بناء الشخصية:
- عملية منهجية لفهم البنية العصبية الوراثية، تشخيص احتياجاتها ودوافعها، ثم صياغة خطوات عملية للتعامل معها.
- يمكن أن تتم على يد معالج، أو أن يتدرج الفرد في فهمها بنفسه عبر الكتب والمحتوى التعليمي.
إمكانات غير المتخصصين في الاستفادة من المنهج
1. فهم الذات من منظور جديد
غير المتخصص الذي يقرأ أو يستمع إلى شرح المنهج يكتسب:
- لغة جديدة يصف بها نفسه بعيدًا عن التصنيفات المرضية.
- إدراكًا أن سلوكياته ليست “خللًا”، بل انعكاسًا لبنية وراثية.
- وعيًا بأن مشكلاته النفسية قد تنشأ من تجاهل احتياجاته الأصلية.
2. إعادة تقييم الحياة والعلاقات
- يدرك الفرد أن جزءًا من فقدان ثقته بنفسه قد يكون بسبب عدم فهم الآخرين لطبيعته.
- يستطيع أن يضع حدودًا جديدة في التعامل مع محيطه.
- يرى بوضوح أن “الخلل” ليس بالضرورة فيه، بل في سوء الفهم المتبادل.
3. بناء أدوات ضبط ذاتي
- بمجرد أن يفهم الفرد دوافع شخصيته واحتياجاتها، يصبح قادرًا على صياغة استراتيجيات يومية لضبط مشاعره وسلوكياته.
- مثال: شخصية تجنبية (مجتهدة) تدرك أن الفشل في وضع حدود مع الآخرين هو جزء من بنيتها التي تميل للتأقلم والمثابرة،فتصنع حدودًا بطريقة تحميها من ضغوط الآخرين وتتعامل مع حساسيتها تجاههم في أمان تام.
4. الاستفادة من المحتوى المكتوب والمرئي
- لأن المنهج مُصاغ بلغة علمية لكنها واضحة، يمكن لغير المتخصص أن يبدأ بخطوات عملية بمجرد القراءة أو الاستماع، دون حاجة مبدئية لخبرة علاجية.
حدود الاستفادة الذاتية
1. شرط القدرة على التركيز
- المنهج يفترض أن الشخص قادر على التأمل في ذاته وتتبع أفكاره وسلوكياته.
- لكن إذا كان الاضطراب النفسي شديدًا (اكتئاب عميق، قلق حاد، ذهان، عدم تركيز)، فإن الفرد يفقد القدرة على الإمساك بخيط البداية.
- هنا تظهر أهمية تدخل المعالج.
2. خطر إسقاط المفاهيم
- القارئ غير المتخصص قد يسيء تطبيق المفاهيم على نفسه أو على الآخرين.
- مثال: أن يظن أنه “مبدع” (حدي) لمجرد أنه سريع الحركة، دون النظر إلى المنظومة الكاملة التي يخرج الإبداع على أساسها.
3. الحاجة إلى التوجيه العملي
- إعادة بناء الشخصية ليست مجرد فهم نظري، بل خطة عملية تتضمن حل المشكلات اليومية.
- وهذا يتطلب خبرة في صياغة الحلول، قد لا يمتلكها غير المتخصص.
دور المعالج في اختصار الطريق
1. العين الخبيرة
- المعالج المدرّب على المنهج يمتلك القدرة على التقاط السمات الأساسية في دقائق قليلة.
- بينما قد يحتاج غير المتخصص إلى شهور من القراءة والتجربة حتى يصل إلى النتيجة نفسها.
2. رسم الخريطة الكاملة
- المعالج لا ينظر إلى عرض واحد، بل إلى التركيب الثلاثي أو الثنائي للشخصية، ويشرح كيف تتداخل السمات.
- هذا يمنع الوقوع في خطأ التفسير الأحادي.
3. تسريع عملية إعادة البناء
- ما قد يستغرق سنوات في العلاج التقليدي، يمكن أن يُختصر في وقت قصير عبر عين خبيرة قادرة على توجيه الفرد مباشرة إلى جذور مشكلته.
4. الدعم النفسي أثناء الاضطراب
- في حالات الاضطراب الشديد، يحتاج الفرد إلى دعم خارجي حتى يستطيع استعادة القدرة على التفكير المنهجي.
- دور المعالج هنا لا غنى عنه.
المقارنة بين الاعتماد على الذات والاعتماد على المعالج
| العنصر | الاعتماد على الذات | الاعتماد على المعالج |
|---|---|---|
| البداية | بطيئة، تحتاج وقتًا للقراءة والتأمل | سريعة، لأن المعالج يحدد نقطة الانطلاق فورًا |
| الدقة | قد يخطئ الفرد في التشخيص | أعلى دقة بفضل الخبرة |
| التكلفة | أقل ماديًا | أعلى، لكنها أكثر فاعلية |
| التحفيز | يعتمد على التزام الفرد | يتعزز بدعم المعالج |
| النتائج | تدريجية، متفاوتة | أسرع وأكثر شمولًا |
أثر الجمع بين الخيارين
منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية لا يُلغي أيًّا من الخيارين:
- يمكن أن يبدأ الفرد بنفسه عبر قراءة الكتب أو متابعة الشرح.
- وإذا واجه صعوبة أو زاد اضطرابه، يمكنه الاستعانة بالمعالج ليختصر الطريق.
- الجمع بين الاستقلالية (الفهم الذاتي) والدعم (العين الخبيرة) يحقق أفضل النتائج.
قيمة المنهج لغير المتخصصين
حتى مع الحدود السابقة، يبقى المنهج ذا قيمة عالية لغير المتخصصين لأنه:
- يزيل وصمة “المرض النفسي” عن الشخصية.
- يمنح الإنسان خريطة واضحة لفهم ذاته.
- يوفر لغة جديدة للتواصل مع الآخرين حول مشكلاته.
- يعطيه إحساسًا بالسيطرة: “أنا أفهم نفسي، وأعرف من أين أبدأ.”
إذن، هل يساعد منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية غير المتخصصين في ضبط مشكلاتهم النفسية؟ الجواب: نعم، لكنه مشروط. فالمنهج بحد ذاته مُصاغ ليكون مفهومًا ومفيدًا للجميع، ويمكن أن يفتح أمام الفرد آفاقًا واسعة لفهم ذاته وإعادة بناء شخصيته. لكن إذا كان الاضطراب شديدًا إلى درجة تعيق القدرة على التركيز، فإن عين المعالج الخبيرة تختصر الطريق وتمنع الضياع.
بهذا المعنى، يقدّم المنهج صيغة مزدوجة:
- أداة للفهم الذاتي لغير المتخصصين، تقويهم وتمكنهم من التعامل مع مشكلاتهم.
- وإطارًا علاجيًا متقدمًا للمعالجين، يتيح لهم توجيه الأفراد بسرعة وفاعلية.
إن القيمة الكبرى للمنهج تكمن في أنه لا يحصر الفائدة في يد المتخصص وحده، ولا يترك الفرد في عزلة، بل يوازن بين الفهم الذاتي والدعم الخارجي، ليعيد للإنسان قدرته على فهم نفسه وضبط مشكلاته في ضوء بنيته العصبية الوراثية، بعيدًا عن وصم المرض وضبابية المناهج التقليدية.مرجعية للمتخصصين؟
مع ملاحظة أن المنهج لايزال مجهولا للمتخصصين فيما عدى المؤسسة له الباحثة داليا رشوان، وبالتالي من يريد التواصل لحجز جلسات أو الاستفسار عن المواد المقدمة أو الاقتراحات يمكنكم التواصل مع رقم واتساب 00201119279530










