
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في اتجاه أبحاث الدماغ. فبعد عقود طويلة كان يُنظر فيها إلى الدماغ باعتباره جهازًا يستقبل المعلومات من العالم الخارجي ثم يعالجها، بدأت علوم الأعصاب تتبنى نموذجًا مختلفًا تمامًا. وأصبح عدد متزايد من الباحثين يرى أن الدماغ لا ينتظر الواقع حتى يفسره، بل يبني توقعاته أولًا، ثم يقارن هذه التوقعات بما يستقبله من معلومات ويعدلها باستمرار.
وفي دراسة نُشرت في يوليو 2026، ذهب باحثون من جامعة أوسلو إلى أبعد من ذلك، عندما طرحوا فكرة أن هذا النموذج الحديث للدماغ يقترب بصورة لافتة من بعض الأفكار التي قدمها فرويد منذ أكثر من 130 عامًا. فبحسب الباحثين فإن التحليل النفسي كان يتحدث منذ زمن طويل عن أن الإنسان لا يرى العالم كما هو، وإنما من خلال توقعاته وخبراته السابقة، وهو ما ترى علوم الأعصاب الحديثة أنه يحدث بالفعل على المستوى العصبي.
وللوهلة الأولى قد يبدو هذا مجرد ربط تاريخي بين مدرستين مختلفتين، لكن عند التعمق في هذه النتائج يظهر تحول أوسع في طريقة فهم العقل الإنساني. فبدلًا من النظر إلى الإنسان بوصفه مستقبلًا سلبيًا للأحداث، أصبح يُنظر إليه بوصفه كائنًا يبني نموذجًا داخليًا للعالم، ثم يتعامل مع الواقع من خلال هذا النموذج.
ومن منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فإن هذا التحول العلمي يستحق التوقف عنده، لأنه يعكس تغيرًا في الاتجاه العام للأبحاث العصبية، حتى وإن لم يصل بعد إلى النقطة التي ينطلق منها المنهج.
فمنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية قام منذ بدايته على فكرة أن الإنسان لا يستجيب للواقع بطريقة واحدة، وأن اختلاف البشر لا يبدأ من الخبرات التي مروا بها فقط، وإنما يبدأ قبل ذلك من اختلاف التراكيب العصبية الوراثية نفسها. ولذلك فإن شخصين قد يمران بالموقف نفسه، ويخرجان منه بتفسيرين مختلفين تمامًا، ليس لأن أحدهما أخطأ في فهم الواقع، وإنما لأن كل واحد منهما يراه من خلال بنية عصبية مختلفة.
وهنا يلتقي البحث مع المنهج في نقطة مهمة، فالبحث يرفض فكرة أن الدماغ مجرد مستقبل للمعلومات، والمنهج يرفض أيضًا فكرة أن جميع البشر يستقبلون الواقع بالطريقة نفسها، لكن عند هذه النقطة يبدأ الاختلاف بين التفسيرين. فالبحث يرى أن نماذج التوقع تتكون أساسًا من خلال الخبرات السابقة والعلاقات التي مر بها الإنسان. فالطفل يكوّن توقعاته من خلال ما عاشه، ثم يحمل هذه التوقعات معه في حياته اللاحقة، فيفسر العالم من خلالها. أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيرى أن هذه الصورة تبدأ من مرحلة أسبق. فالتركيبة العصبية الوراثية هي التي تحدد منذ البداية ما الذي يلفت انتباه الإنسان وما الذي يمنحه الشعور بالأمان وما الذي يثير خوفه وما الذي يعتبره تهديدًا وما نوع العلاقات التي يبحث عنها وكيف يفسر المواقف المختلفة. ثم تأتي الخبرات بعد ذلك لتبني فوق هذه البنية أو تعدلها أو تعززها، لكنها لا تنشئها من الصفر.
وهذا الفارق ليس تفصيلًا صغيرًا، بل يمثل اختلافًا في نقطة البداية نفسها. فإذا تعرض طفلان للتجربة نفسها، فإن البحث يميل إلى تفسير اختلافهما لاحقًا من خلال اختلاف طريقة بناء التوقعات أثناء النمو. أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيطرح سؤالًا آخر قبل ذلك كله: لماذا كوَّن كل طفل توقعات مختلفة أصلًا رغم أنهما عاشا التجربة نفسها؟ والإجابة التي يقدمها المنهج هي أن الاختلاف يبدأ من اختلاف التركيبة العصبية الوراثية.
ومن هنا يصبح بناء التوقعات نتيجة لطبيعة الشخصية، وليس سببًا في تكوينها. وهذه النقطة تساعد أيضًا على تفسير كثير من الظواهر التي يصعب فهمها بالاعتماد على الخبرة وحدها. فلماذا ينشأ إخوة في البيت نفسه، ويتعرضون للظروف نفسها، ثم نجد أحدهم شديد الحساسية، وآخر أكثر ميلاً للسيطرة، وثالثًا أكثر حذرًا، ورابعًا أكثر اجتماعية؟
إذا كانت الخبرة وحدها هي التي تبني النماذج الداخلية، فمن المتوقع أن تكون نتائجها متقاربة إلى حد كبير. لكن الواقع يشير باستمرار إلى أن الاختلافات الأساسية بين البشر تظهر حتى في البيئات المتشابهة.
ومن هنا يضيف منهج البناء العصبي الوراثي طبقة تفسيرية جديدة، تقوم على أن الخبرات لا تعمل في فراغ، وإنما تعمل فوق تراكيب عصبية مختلفة، ولذلك تختلف آثارها من شخص إلى آخر.
كما يتحدث البحث عن أن الدماغ يسعى دائمًا إلى تحقيق حالة من الاستقرار وتقليل عدم اليقين. ويرى الباحثون أن الإنسان قد يتمسك أحيانًا بأنماط نفسية غير صحية، ليس لأنها الأفضل، وإنما لأنها مألوفة وتمنحه قدرًا من الاستقرار.
ومن منظور البناء العصبي الوراثي للشخصية، يمكن فهم هذه الفكرة بصورة أوسع. فالدماغ لا يسعى فقط إلى تقليل عدم اليقين، بل يسعى أيضًا إلى إشباع الاحتياجات النفسية التي تفرضها تركيبته العصبية. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد تقليل الغموض، وإنما عندما يعيش الإنسان بصورة تتوافق مع احتياجات شخصيته العصبية. ولهذا قد يشعر شخصان بالاستقرار في ظروف مختلفة تمامًا، لأن ما يحقق التوازن لشخصية معينة قد لا يحقق التوازن لشخصية أخرى.
ولهذا فإن أهمية هذه الدراسة لا تكمن في أنها تؤيد منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية بصورة مباشرة، وإنما في أنها تعكس اتجاهًا متزايدًا داخل علوم الأعصاب نحو البحث عن نماذج داخلية تفسر طريقة إدراك الإنسان للعالم، بدل الاكتفاء بالنظر إلى السلوك بوصفه مجرد استجابة للمثيرات الخارجية. وهذا الاتجاه يقترب خطوة من الفكرة التي يقوم عليها المنهج، لكنه لا يصل بعد إلى السؤال الذي يعتبره المنهج السؤال المركزي:
لماذا تختلف هذه النماذج الداخلية بين البشر منذ البداية؟
وهنا يقدم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية إجابته، إذ يرى أن نقطة الانطلاق ليست الخبرات وحدها، وإنما التركيبة العصبية الوراثية التي يولد بها الإنسان، والتي تشكل طريقة إدراكه للعالم، واحتياجاته النفسية، وأنماط تفكيره، ثم تأتي الخبرات بعد ذلك لتتفاعل مع هذه البنية، لا لتنشئها.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذا البحث بوصفه مثالًا جديدًا على الاتجاه الذي تسير فيه علوم الأعصاب الحديثة؛ اتجاه يعترف بأن العقل لا يكتفي باستقبال الواقع، بل يبني نموذجًا داخليًا يفسره من خلاله. أما منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية فيضيف إلى هذا الاتجاه خطوة أخرى، تتمثل في تفسير أصل اختلاف هذه النماذج الداخلية بين البشر، وهو ما يجعله يقدم إطارًا أوسع لفهم الشخصية والسلوك والاضطرابات النفسية في ضوء الاختلافات العصبية الوراثية.
رابط البحث: Modern neuroscience is rediscovering an idea Freud had 130 years ago










