البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

علاج الاكتئاب في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

يُعتبر الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا في عصرنا الحديث. تشير التقديرات إلى أن مئات الملايين من البشر حول العالم عانوا أو سيعانون من نوبات اكتئاب في مرحلة ما من حياتهم. الممارسات الحالية في الطب النفسي تفسّر الاكتئاب غالبًا بأنه اختلال كيميائي في الدماغ أو نتيجة ضغوط حياتية، وتعتمد على العلاج الدوائي (مضادات الاكتئاب) والعلاج النفسي (خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي).

ورغم أن هذه الأساليب قد تقدم بعض التحسّن، فإن نسب الانتكاس مرتفعة، وكثير من المرضى لا يستجيبون للعلاج بالشكل المطلوب.

هنا يأتي منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، الذي أسسته الباحثة داليا رشوان، ليقدّم مقاربة مختلفة جذريًا. هذا المنهج لا ينظر إلى الاكتئاب بوصفه خللًا كيميائيًا عامًا، ولا كنتيجة غامضة لصراعات لاشعورية، بل يراه انعكاسًا مباشرًا للتفاعل بين البنية العصبية الوراثية للشخصية وبين الظروف الحياتية المحيطة. ومن خلال فهم الشخصية واحتياجاتها ودوافعها الطبيعية، يمكن الوصول إلى علاج أعمق وأسرع وأكثر استقرارًا.

كيف ترى الممارسات الحالية الاكتئاب؟

  1. النظرية البيولوجية:
    • تفسّر الاكتئاب بوجود نقص في بعض النواقل العصبية (مثل السيروتونين).
    • العلاج الأساسي: مضادات الاكتئاب (SSRIs، SNRIs…).
  2. النظرية النفسية:
    • تربط الاكتئاب بخبرات الطفولة المؤلمة أو الصراعات اللاواعية.
    • العلاج: التحليل النفسي، أو جلسات طويلة لكشف الجذور المكبوتة.
  3. النظرية المعرفية السلوكية:
    • ترى أن الاكتئاب سببه أفكار سلبية مشوهة (“أنا فاشل”، “المستقبل مظلم”).
    • العلاج: تعديل التفكير والسلوك عبر جلسات منظمة.

الإشكالية

  • الأدوية قد تخفف الأعراض لكنها لا تعالج السبب.
  • العلاجات النفسية التقليدية تستغرق وقتًا طويلًا، ونتائجها غير مضمونة.
  • كل هذه التفسيرات تعطي “صورة عامة” ولا تفسّر لماذا يكتئب شخص معين بطريقة معينة بينما لا يكتئب آخر في نفس الظروف.

الاكتئاب في رؤية البناء العصبي الوراثي للشخصية

1. المنطلق الأساسي

  • الاكتئاب ليس مرضًا كيانًا واحدًا، بل عرض متكرر يمكن أن يظهر عند أي شخصية إذا تم إهمال احتياجاتها العصبية الوراثية.
  • كل شخصية لها دوافع واحتياجات خاصة؛ إذا لم تُلبَّ أو قُمعت أو أُسيء فهمها، يحدث خلل في التوازن النفسي يظهر في صورة اكتئاب.

2. كيف يظهر الاكتئاب في الشخصيات المختلفة؟

هنا بعض الأمثلة:

  • الحدية (المبدعة): تصاب بالاكتئاب إذا لم تجد متنفسًا لطاقة ذهنها العالية أو إذا حوصرت في رتابة خانقة.
  • النرجسية (القيادية): تدخل في اكتئاب إذا فشلت في السيطرة أو فقدت مكانتها أو لم تجد تقديرًا.
  • التجنبّية (المجتهدة): تكتئب إذا تعرضت لنقد متواصل أو أغاروا على مساحتها الشخصية.
  • الارتيابية (الشرطية): يصيبها الاكتئاب إذا فقدت ثقتها في من حولها وشعرت أن الجميع ضدها.
  • المعادية (المقتصة): تميل للاكتئاب إذا فُرضت عليها قيود تمنعها من المناورة والسيطرة على المواقف.
  • الهستيرية (الإعلامية): تكتئب إذا فقدت الاهتمام أو انطفأت الأضواء حولها.
  • الوسواسية (المنهجية): يظهر الاكتئاب عندها عندما يتعذر عليها الوصول إلى النظام والكمال الذي تبحث عنه.
  • الفصامية (المستقرة): قد تميل لاكتئاب إذا فُرض عليها تفاعل اجتماعي يفوق طاقتها.
  • الشبه فصامية (غير المألوفة): تكتئب حين يُساء فهم اختلافها أو يُنظر إليها كغريبة.

3. النتيجة

الاكتئاب إذن ليس “خللًا كيميائيًا عامًا”، بل هو إشارة إنذار بأن الشخصية لا تعيش وفق احتياجاتها العصبية الوراثية، أو أنها محاطة ببيئة لا تفهمها.

منهج علاج الاكتئاب في البناء العصبي الوراثي

1. التقييم الشامل للشخصية

  • الخطوة الأولى هي تحليل دقيق للبنية العصبية الوراثية للفرد.
  • هذا التحليل يكشف:
    • نوع الشخصية الأساسية.
    • ما هي نقاط قوتها الطبيعية.
    • ما هي مشاكلها المعتادة.
    • ما هي الاحتياجات النفسية التي لم تُلبَّ.

2. فهم جذور الاكتئاب

  • لا يُعزى الاكتئاب إلى “ضعف الإرادة” أو “خلل كيميائي”، بل إلى خلل في التوازن بين احتياجات الشخصية وواقعها.
  • مثلًا: إذا كان الشخص مبدعًا، فإن حرمانه من التنوع والحرية الذهنية يؤدي إلى الملل العميق الذي يظهر كاكتئاب.

3. إعادة بناء الشخصية العصبية الوراثية

  • هذه العملية تشمل:
    • تصحيح الفهم الذاتي: الشخص يدرك أنه ليس “مريضًا”، بل صاحب تكوين خاص.
    • حل المشكلات العملية: توجيهه إلى طرق تلبية احتياجاته.
    • إعادة صياغة علاقاته: فهمه للآخرين يحميه من تأثيراتهم السلبية التي قد تضعف ثقته بنفسه وتدفعه للاكتئاب.

4. الدمج مع الثقة بالله

  • جانب أساسي من العلاج هو الشق الإيماني:
    • إدراك أن ما يحدث يسير وفق سنن إلهية ثابتة.
    • تعلم قراءة الأحداث قراءة صحيحة بدل الغرق في التفسير السلبي.
    • الاطمئنان إلى أن الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله يمنح اتزانًا داخليًا عميقًا.

 أدوات عملية في العلاج

  1. إعادة التعريف:
    • مساعدة المريض على إدراك أن اكتئابه ليس مرضًا غامضًا، بل رسالة من شخصيته.
  2. إدارة الاحتياجات:
    • تعليم كل شخصية كيف تلبي احتياجاتها بشكل صحي.
  3. التوازن بين العطاء والأخذ:
  4. فهم أساليب الآخرين:
  5. تدريب روحي:
    • تعزيز اليقين بالله وفهم سننه، ما يخفف من ثقل الأحداث ويمنح الطمأنينة.

مثالان توضيحيان

علما بأن الشخصيات غالبا تكون إما ثنائية أو ثلاثية

المثال الأول: شخصية حدية (مبدعة)

  • تعاني من ملل شديد في وظيفة روتينية.
  • في الممارسات الحالية: يُقال لها “فكري بإيجابية”، أو تُعطى مضادات اكتئاب.
  • في البناء العصبي: يُفهم أن الملل جزء من شخصيتها النشطة، والحل أن تفهم قواعد معاينة لممارسة العمل تتجاوز سريعا بها حالة التملل.

المثال الثاني: شخصية تجنبية (مجتهدة)

  • تعرضت لتدخل في مساحتها الشخصية دون قدرة على دفع الضرر.
  • في الممارسات الحالية: تُعطى جلسات CBT لتعديل أفكارها السلبية.
  • في البناء العصبي: يُوضَّح لها أساليب السيطرة بنقاط الضعف وطبيعة الشخصيات الوراثية لمن حولها وكذلك تعليمها وضع الحدود ودفع الضرر بطريقة مناسبة تكفل الأمان لها.

 

الاكتئاب في الممارسات الحالية يُعالج غالبًا عبر دواء أو جلسات معرفية سلوكية أو تحليلية. لكن هذه الحلول لا تمسّ الجذور، وغالبًا ما تعطي نتائج مؤقتة.
أما في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، فإن العلاج ينطلق من فهم الشخصية واحتياجاتها الوراثية، وإعادة بناء الذات في ضوء هذا الفهم، مع تكامل ذلك مع الثقة بالله وسنن الحياة.

بهذا يصبح الاكتئاب ليس لعنة ولا مرضًا غامضًا، بل إشارة لإعادة التوازن. وعندما يُفهم ويُعالج من جذوره، يخرج الإنسان أكثر قوة ووعيًا، قادرًا على أن يعيش شخصيته كما أراد الله لها أن تكون.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى