اكتشف طاقاتكنفسية

أصل إحنا شعب عاطفي؟؟ فعلا؟؟!!

بقلم داليا رشوان

stubborn“إحنا شعب عاطفي” هذه المقولة تقال عندما تبرر مواقف لآخرين يرتبطوا ارتباطا سريعا بشخص ما، مثل الحب الشديد المفاجئ للاعب محمد صلاح على سبيل المثال، ثم في لحظة ينقلب هذا الحب إلى كره شديد بمجرد حدوث أحداث حول اللاعب تثير الشكوك. (التفسير المفصل لهذه الظاهرة في نهاية المقال)

لا أتحدث عن الكرة ولكن كثيرا من الناس يجد شخصا على هواه فيرتبط به فجأة ويراه أفضل شخص في العالم والأكثر مثالية ويظل يقول فيه شعرا وفجأة من موقف أو شُبهة أو خلاف ينقلب مائة وثمانين درجة بلا أي منطق.

من الذي قال أن هذا السلوك يطلق عليه سلوك عاطفي؟ إنه سلوك ينم عن هوى نفس واحتياجات ليس لها علاقة بالعاطفة، إنما من يلصقون به العاطفة يريدون أن يجعلوه سلوكا محبوبا أو صفة محمودة  بدلا من أن يسموا الأشياء بمسماها الحقيقي.

إن المثالية التي يراها شخص في آخر ليست مثالية ولكن تطابق في شيء ما، سواء أفكار أو أهواء أو أحلام، ولكن بعد وهلة قصيرة يظهر أن هذا التطابق ليس في كل شئ وأن هذا الشخص الآخر مختلف في تصرفاته وفي قناعاته. هذا الاختلاف بالنسبة لمن اعتقد أن من أمامه مثاليا أو ملاكا يصبح بمثابة صدمة، بعدها يعتبر الأول هذا الآخر عدو شيطاني.

الإنسان الذي يبني قناعاته على أساس عميق يدرس الناس قبل أن يرتبط بهم سواء في عمل أو صداقة أو زواج أو أي نوع آخر من العلاقات، وسبب هذه الدراسة هي الوصول للإدارة الأمثل لهذه العلاقة، وخلال هذه الدراسة عليه أن ينحي جانبا أي افتراض بأن من أمامه ملاك، لأن الناس كلها عيوب وهو من ضمنهم، بل حين نتأمل سير الصحابة رضوان الله عليهم نرى أنهم جميعا ليسوا ملائكة ولكن سيرهم تظهر فيها كيفية سيطرتهم على عيوبهم حتى لا تثنيهم عن طاعة الله، فالبخيل قد يكون بخيلا وهذا عيبه ولكن بخله لا يمنعه من إخراج حقوق الله في ماله وحفظ أماناته وسريع الغضب يملك نفسه فلا يتعدى على آخر ويسلم الناس من شر غضبه ويعامل الناس بما يرضي الله ورسوله.

الإنسان الذي يبني قناعاته على أساس عميق يعرف ويقبل عيوب الآخرين ويحللها ويتعامل معها بمهارة ولا ينفعل لها بل يعذر الناس ويتجنب إثارة أسوأ ما فيهم وهو يعلمه فيقود علاقاته بمهارة. كما أنه يقبل الاختلاف في الآراء ويعرف أن كثيرا من المواقف والأحداث من حولنا لا تقع تحت بند الخطأ والصواب بل هو صواب له عدة طرق، وأن الاختلاف في الطرق وأساليب الحياة هو الذي يثري حياتنا. وحتى لو افترضنا أن هناك من يخطيء فهناك طرق شرعية للتعامل معه ولكن ليس هذا موضوعنا ونتناوله في موضوع آخر إن شاء الله.

في حالة الدعوة إلى الله على سبيل المثال، من الدعاة من يفضل أن يبقى في منطقته ومنهم من يفضل السفر إلى الخارج ومنهم من يفضل المجازفة ومنهم من يفضل أن يكون هادئا مستترا، أي الطرق أفضل؟ ليس هناك الأفضل ولكن هناك الأنسب للشخص وكلها طرق يحتاجها العالم من حولنا. فلو أننا أجمعنا على حبنا للون واحد ونوع نسيج واحد ومهنة واحدة وأسلوب حياة واحد لما كان العالم مكانا نستطيع العيش فيه، إنما اختلافنا ثراء.

التعامل مع الآخرين على أنهم إما ملائكة وإما شياطين قلة عقل، بل علينا أن نفهم أن كل شخص له صفات خاصة به غالبا لا تجتمع في آخر وبناءا على ذلك علينا قبول هذا الاختلاف والكف عن الوصاية والتحكم في سلوك الناس وفي أفكارها.

هناك مسألة نفسية أكثر تعقيدا ترتبط بهذا السلوك، في مثال اللاعب محمد صلاح، اعتبر بعض المصريين أن هذا الشخص يمثلهم، وكل مصري يريد أن ينجح في حياته ويهاجر من بلده تقمص شخصية هذا اللاعب، وأصبح لا يراه بل يرى نفسه ينجح ويحقق آماله، ولكن إذا قام اللاعب بأي تصرف يخالف معتقد هذا الشخص تنقلب المحبة المبالغ فيها إلى كره مبالغ فيه، وذلك لأنه لاشعوريا يتهم اللاعب أنه أتلف النموذج الذي تقمصه ويريد الحياة فيه، أتلف الخيال الذي كان يحيا به وتركه في واقعه المرير. والحقيقة أن هذا اللاعب هو إنسان مصري مستقل خرج من بلده يبحث عن فرصة يحيا بها بشكل آدمي مثله مثل آلاف ونجاحه وكفاحه لنفسه وأنه من حقه أن يأخذ مواقف لا تتفق مع أي شخص آخر ولكنها مناسبة له وليس من حق آخر أن يسلب منه هذا الحق.

كذلك هناك أمثلة كثيرة من حياتنا لأب لم يستطع أن ينجح في حياته ولم يحقق أحلامه فتقمص شخصية ابنه ووضع فيها كل أحلامه ولم يعد يقبل أحلام ابنه ولم يعد يقبل إنه إنسان مستقل له شخصيته وطموحاته، فإذا اختار الابن مسارا آخرا مخالفا لحلم والده أنزل الأب على ابنه كل الغضب والسخط حتى لو كان ابنه شخصية ناجحة في حياته، ولكن عدم قدرته على تنفيذ أحلام والده يجعله في نظره فاشلا ويستحق العقاب.

أحيانا يحدث ذلك بين الزوجين حين يفترض أحدهما أو كلاهما أن الزوج الآخر عليه أن يصبح نسخة طبق الأصل مما يريد الأول وتحدث خلافات على أشياء تافهة، ولكن لو تأملت المواقف لوجدت أن حقيقة الغضب والعند ليس بسبب هذه المواقف التافهة في حد ذاتها ولكن لاكتشاف أحدهما أن الآخر ليس طبق الأصل كما يريد.

هذا الرفض لأي خلاف وتقمص الشخصيات العامة أو الخاصة وفرض أحلامنا ووصايتنا على تصرفاتهم يجعل فكرة الاختلاف فكرة ممنوعة، وكم من العلاقات الأسرية وعلاقات العمل والصداقة والعلاقات الاجتماعية بشكل عام تقطعت حتى تشوهت لهذا السبب الواهي المبني على خيالات مريضة.

والحل هنا أن يكف الناس عن رغبتهم في نموذج ناجح يتخيلوا أنه هو الذي سيحقق أحلامهم بنجاحه فيما يريدونه هم وأن يقبلوا باستقلالية كل إنسان وأن يقبلوا بحقه في أن يكون مختلفا في طباعه وآرائه وسلوكه وطريقة عمله وأسلوبه في اتخاذ قراراته، وأن لكل شخص فينا الحق في الاختيار، ولا وصاية لأحد على الآخر وليس من حق أحد أن يُملي على الآخر أحلامه وكيفية تحقيقها، كما أنه يجب على كل إنسان له طموحات وآمال أن يسعى بنفسه جاهدا لكي يحقق مراده أو على الأقل يسعى للوصول له وعدم إلقاء اللوم على الظروف أو على الآخرين من حوله.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
×

مرحبا!

للحالات التي تحتاج دعم نفسي واستشارات أسرية (بواسطة التليفون أو برامج الاتصال الصوتية) يمكن التواصل والحجز واتس أب

× تحدث معى عبر واتس أب