التعاطف بين الفطرة المكتسبة والقصور المزعوم: رؤية نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية
لطالما نظر الطب النفسي وعلم النفس التقليديان إلى التعاطف باعتباره قدرة فطرية يولد بها الإنسان، وبناءً على شدتها أو غيابها تُصنَّف بعض الشخصيات أو تُوسَم باضطرابات كالنرجسية أو المعادية للمجتمع. هذه النظرة تُعطي انطباعًا بأن ضعف التعاطف عيب دائم لا يمكن تغييره، مما يحدّ من فرص الإصلاح وإعادة التهيئة النفسية.
أما نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية فيطرح فهمًا مغايرًا تمامًا؛ إذ يرى التعاطف كقيمة أخلاقية مكتسبة تنمو عبر التربية والتجربة والاختيار الواعي، وليست خاصية عصبية جامدة. وهذا المعنى يجد جذوره في الهدي النبوي الشريف: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، حيث يصبح التعاطف فعلًا إيمانيًا إراديًا، يمكن لكل إنسان أن يتعلمه ويطوره مهما كانت بنيته العصبية، إذا وُجهت طاقاته نحو الخير وأُشبعت احتياجاته النفسية.
التعاطف في الممارسات الحالية للطب النفسي وعلم النفس
في الممارسات السائدة، يُعرَّف التعاطف (Empathy) بأنه القدرة على فهم مشاعر الآخرين ومشاركتهم إياها. ويُقسَّم عادة إلى نوعين:
- التعاطف المعرفي (Cognitive empathy): القدرة على إدراك ما يشعر به الآخرون وفهم وجهة نظرهم.
- التعاطف العاطفي (Affective empathy): القدرة على مشاركة المشاعر، أي أن يشعر الشخص بالحالة العاطفية للآخر كما لو كانت حالته هو.
وتعتبر هذه الممارسات أن التعاطف صفة فطرية بدرجات متفاوتة بين الأشخاص، لكن غيابها أو ضعفها الشديد يُعد سمة مرضية في بعض التشخيصات، مثل:
- اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.
- اضطراب الشخصية النرجسية.
- اضطراب الشخصية الحدية (في بعض الحالات عند فقدان الاستقرار الانفعالي).
ويُستخدم مصطلح “عدم التعاطف” أحيانًا بوصفه عجزًا أو قصورًا ثابتًا في البنية النفسية، مما يوحي بأن الشخص “غير قادر” بطبيعته على إظهار التعاطف، وأن هذا النقص جوهري وصعب التغيير. ووفق هذا المنظور، يرتبط غياب التعاطف بزيادة السلوكيات المؤذية أو الاستغلالية، ويُنظر إليه كمؤشر خطر في العلاقات الاجتماعية.
التعاطف في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية
في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية، يُفهم التعاطف بشكل مختلف جذريًا.
هذا النظام لا يعتبر التعاطف خاصية فطرية ثابتة يولد بها الإنسان بدرجات متفاوتة، بل يراه قيمة مكتسبة تنشأ من التربية، والخبرة الحياتية، والاختيارات الأخلاقية، والنضج النفسي.
المنطلق الأساسي
الإنسان يولد بتركيب عصبي وراثي يحدد طريقة تفكيره، احتياجاته النفسية، ونمط استجاباته للمواقف، لكن القيم الأخلاقية مثل التعاطف لا تُزرع في الجهاز العصبي من الولادة، بل تُكتسب مع الوقت عبر:
- التنشئة الاجتماعية.
- القدوة والمثال.
- التعليم والتوجيه.
- المواقف الحياتية التي توسّع مدارك الفرد وتربطه بالآخرين.
وبهذا المعنى، قد تكون بعض الشخصيات أكثر استعدادًا لتبني التعاطف إذا لُبِّيَت احتياجاتها النفسية الأساسية، وقد تجد شخصيات أخرى صعوبة في اكتسابه إذا كانت بيئتها فقيرة بالقيم أو مليئة بالصراعات.
التعاطف كاختيار أخلاقي
يربط نظام البناء العصبي الوراثي بين التعاطف والاختيار الواعي، مستشهدًا بحديث الرسول ﷺ:
“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”
هذا الحديث يضع التعاطف في إطار إرادي: أن يحب الإنسان لغيره الخير كما يحبه لنفسه، أو أن يقوم بعملية تبادل الأدوار، وهو سلوك ينبع من الإيمان والنية، وليس مجرد انعكاس عصبي آلي.
وهذا يتناقض مع النظرة التي تفترض أن غياب التعاطف حالة دائمة وغير قابلة للتغيير. فالنظام يرى أن الإنسان، مهما كانت بنيته العصبية، قادر على أن يتعلم التعاطف إذا وُجِّه نحو ذلك وتمت تهيئة بيئة تساعده على تطوير هذه القيمة.
الفروق الجوهرية بين المفهومين
1. المصدر
- الممارسات الحالية: التعاطف سمة فطرية مرتبطة بالبنية النفسية، وغيابه يعني قصورًا عصبيًا أو اضطرابًا في الشخصية.
- البناء العصبي الوراثي: التعاطف قيمة مكتسبة تنمو بالتربية والاختيار، وليست خاصية يولد بها الفرد جاهزة.
2. إمكانية التغيير
- الممارسات الحالية: ترى أن غياب التعاطف صعب التغيير، خصوصًا في الشخصيات المصنفة مرضيًا.
- البناء العصبي الوراثي: يعتبر التعاطف مهارة وسلوك يمكن تعليمه وتطويره، حتى في الشخصيات التي تُصنَّف في الطب النفسي بأنها “غير متعاطفة”.
3. الجانب الأخلاقي
- الممارسات الحالية: تركّز على الجانب العاطفي والمعرفي، وتفصل التعاطف عن المنظومة الأخلاقية والدينية.
- البناء العصبي الوراثي: يربط التعاطف بالجانب الأخلاقي والديني، ويضعه ضمن سلوكيات الإيمان والعمل الصالح.
4. التأثير في التشخيص
- الممارسات الحالية: غياب التعاطف مؤشر سلبي في التشخيص ويؤدي لوسم الشخص بالخطورة أو الاضطراب.
- البناء العصبي الوراثي: لا يستخدم غياب التعاطف كدليل مرضي، بل كعلامة على غياب تنمية قيمة مكتسبة، يمكن العمل على زرعها.
لماذا يرفض البناء العصبي الوراثي مفهوم “القصور الفطري” في التعاطف؟
- التجربة العملية
من خلال التحليل والتعامل مع مئات الحالات، يظهر أن أشخاصًا كانوا يُوصَفون بعدم التعاطف اكتسبوه مع الوقت حين تغيرت بيئتهم أو فهموا أنفسهم والآخرين بعمق أكبر. - مرونة السلوك البشري
حتى الشخصيات التي تبدو صلبة أو قاسية قد تُظهر تعاطفًا شديدًا في مواقف معينة، مما يدل على أن التعاطف ليس غائبًا بالكلية بل غير مُفعَّل. - المصداقية الدينية والأخلاقية
الإسلام، في الحديث النبوي، يربط التعاطف بالإيمان والعمل القلبي، مما يعني أنه خيار ومسعى، وليس مكوّنًا بيولوجيًا يولد مع البعض ويفتقده آخرون.
أثر الفهم الجديد للتعاطف على التعامل مع الشخصيات
في الممارسات الحالية:
عندما يُوصَف شخص بأنه “يفتقد التعاطف” قد يُنظر إليه على أنه حالة ميؤوس منها أو خطر دائم، مما يؤثر سلبًا على فرصه في إعادة الاندماج الاجتماعي أو العلاج.
في نظام البناء العصبي الوراثي:
- يُنظر لغياب التعاطف كفراغ تربوي أو اختياري يمكن ملؤه.
- يُدرَّب الشخص على فهم احتياجاته النفسية أولًا، ثم الاحتياجات المماثلة لدى الآخرين.
- تُربط الممارسات اليومية بمبدأ حب الخير للغير وربطه بالمصالح الشخصية، حيث أن فهم الآخرين دائما ما يعود على الإنسان نفسه بالخير، ما يجعل التعاطف ناتجًا طبيعيًا لفهم أعمق للذات والآخر ويؤدي إلى مصالح مشتركة.
التعاطف وعلاقته بالأنماط العصبية المختلفة
في هذا النظام، بعض الشخصيات قد تميل بفطرتها لأنماط من التفاعل تجعل التعاطف أسهل أو أصعب:
- المبدعة (الحدية): حساسة ومرهفة، لكن انشغالها بتقييم ذاتها قد يؤخر ممارستها للتعاطف.
- القيادية (النرجسية): عقلانية واستراتيجية، وتُظهر التعاطف إذا ربطته بالمصلحة العامة أو القيم العليا.
- المقتصّة (المعادية): عملية وصدامية، قد تكتسب التعاطف عبر قنوات واقعية لا عاطفية.
- المجتهدة (التجنبية): تميل بطبعها للتأمل وفهم الآخرين، ما يجعل اكتساب التعاطف أسهل إذا أزيلت مخاوفها.
الاختلاف الجوهري بين الممارسات الحالية ونظام البناء العصبي الوراثي للشخصية في مفهوم التعاطف هو أن الأولى تعتبره خاصية فطرية قد تغيب للأبد عن بعض الأشخاص، بينما الثانية ترى أنه قيمة مكتسبة، يمكن زرعها في أي إنسان إذا وُفرت البيئة الصحيحة والتوجيه المناسب.
هذا المنظور لا يفتح فقط الباب أمام إعادة دمج من يُنظر إليهم كـ”غير متعاطفين”، بل يجعل التعاطف مسؤولية شخصية وأخلاقية، متسقة مع التعاليم النبوية التي تدعو لأن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه، فيكون التعاطف حينها خيارًا واعيًا وجزءًا من الإيمان، لا مجرّد انعكاس عصبي يولد مع البعض ويفتقده آخرون.










