لماذا يجد الناس صعوبة في فهم نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية؟
كل نظرية جديدة في العلوم تواجه قدرًا من المقاومة أو سوء الفهم، خاصة إذا كسرت المألوف أو أعادت صياغة ما اعتاد الناس النظر إليه لسنوات طويلة. وهذا ما يفسر جانبًا من الصعوبة التي يواجهها البعض في استيعاب منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان، وهو نظام يعيد تعريف الشخصية الإنسانية على أسس وراثية عصبية، جامعًا بين علوم متعددة (الكيمياء الحيوية، الصحة العامة، الطب النفسي، علم النفس، علم الوراثة، علم المخ والأعصاب، علم الاجتماع، العلوم الجنائية، العلوم الشرعية).
هذه الصعوبة لا تقتصر على الجمهور العام، بل تمتد أيضًا إلى الأكاديميين والمتخصصين الذين يعملون داخل أطر راسخة. في هذا المقال نحلل هذه الظاهرة، ونوضح أسبابها ومبرراتها، ونبين لماذا يحتاج المنهج إلى مستوى شرح عالٍ لأنه لا يقف عند المعلومات البسيطة بل يهدف إلى تأسيس إطار شامل جديد.
طبيعة التخصصات المتعددة
1. التداخل العلمي
- المنهج لا ينتمي إلى مجال واحد؛ فهو ليس طبًّا نفسيًّا خالصًا، ولا علمَ نفسٍ تقليديًّا، ولا مجردَ بحثٍ بيولوجي.
- بل هو جسر بين البيولوجيا العصبية والنظرية النفسية والصحة العامة والممارسة السريرية والعلوم الجنائية وحتى الفكر الفلسفي والروحي.
2. أثر التداخل
- هذا التعدد يجعل من الصعب على المتخصص في حقل واحد أن يلمّ بالصورة الكاملة.
- الأكاديمي النفسي قد يرى أن هناك تجاوزًا لتصنيف DSM، والطبيب يرى كسرا للبروتوكولات العلاجية للحالات، والفيلسوف يرى تجاوزًا للتفسيرات الوجودية… إلخ.
- أما القارئ العام، فيشعر بالتعقيد لأنه غير معتاد على مقاربة شمولية تضم كل هذه الزوايا معًا.
الفروق مع الممارسات السائدة
1. في الطب النفسي
- ينظر إلى الشخصية عبر مفهوم الاضطرابات: اضطراب الشخصية الحدية، النرجسية، التجنبية…
- أما البناء العصبي فيعيد صياغة هذا كله باعتباره أنماطًا وراثية لها وظائف واحتياجات.
- هذا التحول من “المرض” إلى “النمط” يربك المتخصص الذي اعتاد لغة الطب.
2. في علم النفس
- تركز المدارس التقليدية على الطفولة، أو الأفكار السلبية، أو السلوكيات المتعلمة.
- بينما يرى المنهج أن البنية العصبية الوراثية سابقة لكل ذلك، وأن التربية والبيئة تعدّل لكنها لا تخلق الشخصية.
- هذا يعاكس ما يدرّس في كليات علم النفس، لذا يثير مقاومة.
3. عند الجمهور العام
- اعتادوا على لغة التنمية البشرية البسيطة: “فكّر بإيجابية، كن واثقًا، ضع أهدافًا”.
- بينما المنهج يقدّم تحليلاً معمقًا للشخصيات، تراكيبها، دوافعها، احتياجاتها.
- هذا يجعل بعض الناس يشعرون أن الطرح “معقّد”، مع أنه في جوهره يشرح حقيقتهم بأبسط صورة علمية دقيقة.
أسباب سوء الفهم عند الجمهور العام
- العمق مقابل التبسيط: الناس تميل للحلول السريعة، بينما المنهج يعرض خريطة دقيقة للشخصية.
- التعارض مع ما سمعوه: شخص يسمع طوال حياته أن “الشخصية الحدية اضطراب”، ثم يواجه طرحًا يقول إنها شخصية مبدعة وراثية، فيصعب عليه التصديق.
- المصطلحات الجديدة: استخدام تسميات جديدة (مبدعة، قيادية، مجتهدة…) يحتاج وقتًا ليدخل في وعي الناس.
- الحساسية تجاه الروحيات: بعض الناس يفصلون بين العلم والإيمان، بينما المنهج يدمجهما بتناغم.
أسباب المقاومة عند الأكاديميين والمتخصصين
- الانفصال بين التخصصات: الأكاديمي النفسي قد لا يعرف كثيرًا عن الكيمياء الحيوية، والعالم البيولوجي قد لا يعرف تفاصيل علم النفس السريري، فيصعب عليهم متابعة جسر يربط كل ذلك.
- التمسك بالنماذج السائدة: من درس سنوات في إطار DSM أو CBT يجد صعوبة في تقبّل أن هناك نظامًا يعيد صياغة التصنيف من جذوره.
- الخوف من فقدان المرجعية: النظام الجديد يضعهم أمام خيار مراجعة ما تعلّموه، وهذا يثير قلقًا مهنيًا وأكاديميًا.
- الجرأة في الطرح: المنهج لا يقدّم تعديلات جزئية بل يطرح إعادة صياغة شاملة، وهذا بطبيعته يواجه رفضًا أوليًا.
لماذا أشرح بمستوى عالٍ؟
1. طبيعة العمل التأسيسي
- أنا لا أقدّم كتابًا مبسطًا في التنمية البشرية، بل أؤسس منهجًا علميًا جديدًا.
- أي تأسيس يتطلب مستوى شرح عميق يوضح الإطار الكلي، حتى لو بدت بعض التفاصيل معقدة.
2. مخاطبة الأكاديميين
- حتى يُقبل المنهج علميًا، لا بد من عرضه بمستوى يفهمه الباحث والطبيب والمعالج.
- التبسيط المفرط قد يظلم النظرية، لذا أفضّل أن أبني الأساس المتين، ثم أبسّط لاحقًا للجمهور العام.
3. طبيعة النظام ذاته
- لأنه يجمع بين الطب وعلم النفس والبيولوجيا والروحانيات، فشرحه لا بد أن يتجاوز لغة مدرسة واحدة.
- التناغم بين التخصصات يحتاج إلى خطاب مركّب يشرح كيف تتكامل.
أمثلة واقعية للصعوبة
- شخص من العامة: يسمع أن هناك “عقدة أوديب”، ثم أقول له إن ما يراه فرويد عقدة هو في الحقيقة اختلاف طبيعي في البنية العصبية. يجد الفكرة صعبة لأنه اعتاد التفسير القديم.
- أكاديمي نفسي: يواجه طرحًا يقول إن “اضطراب الشخصية الحدية” ليس اضطرابًا بل شخصية مبدعة وراثية. بالنسبة له هذا قلب لمفهوم أساسي.
- طبيب: تعلّم أن الاكتئاب سببه خلل في السيروتونين، ثم يسمع أن الاكتئاب عند شخص محدد قد يكون نتيجة قمع احتياجات شخصيته الوراثية. يحتاج إلى وقت ليستوعب أن التفسير لا يلغي دوره بل يكمّله.
كيف نتجاوز هذه الصعوبة؟
- التدرج في الشرح: تقديم مستويات متعددة من الشرح (مقالات عميقة للمتخصصين، ومحتوى مبسط للجمهور عن طريق حلقات القناة، المقاطع القصيرة، المحاضرات، انتساب قناتي، الكتب).
- الربط بالأمثلة: كلما قُدّمت أمثلة من الواقع، أصبح الفهم أسهل.
- توضيح أن النظام لا يلغي: ولكن يعيد الصياغة والمعالجة التقليدية.
- إبراز البعد التطبيقي: الناس تفهم أكثر حين ترى أثر النظام على حالات واقعية.
الصعوبة في فهم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية ليست عيبًا في المنهج، بل نتيجة طبيعية لكونه يخرج من الأطر التقليدية ويجمع بين تخصصات متعددة في تناغم غير مألوف.
الجمهور العام يجد صعوبة لأنه غير معتاد على العمق، والأكاديميون يجدون مقاومة لأن المنهج يعيد صياغة تصورات راسخة.
لكن مع الاستمرار في الشرح، وتقديم الأمثلة التطبيقية، وتوضيح أن الهدف ليس التبسيط بل التأسيس، ستصبح الصورة أوضح. فالأنظمة الكبرى لا تُفهم من أول وهلة، لكنها مع الزمن تغيّر وجه العلوم وتفتح أفقًا جديدًا لفهم الإنسان.









