البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

الفرق بين مفهوم الشخصية النرجسية في الممارسات الحالية في الطب النفسي وعلم النفس ونظام البناء العصبي الوراثي للشخصية

الشخصية النرجسية من أكثر الأنماط التي أساءت الممارسات الحالية في علم النفس والطب النفسي فهمها وتبسيطها، حتى تحولت إلى كلمة شائعة الاستخدام في المجتمع للإشارة إلى أي شخص أناني أو متعجرف أو صعب التعامل. في الثقافة النفسية السائدة، صارت النرجسية مرادفًا للمشكلة في العلاقات، وتحميلها مسؤولية الخلافات الزوجية أو المهنية أو الاجتماعية أصبح أمرًا روتينيًا.

لكن في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية، النرجسية ليست اضطرابًا بالمعنى المرضي، وليست بالضرورة سلبية، بل هي “الشخصية القيادية” ذات خصائص وراثية عصبية محددة، لها دور فطري في قيادة وتنظيم وتحريك الناس. كما أن إسقاط جميع المشاكل عليها يتجاهل حقيقة أن معظم البشر ليسوا شخصية واحدة نقية، بل يحملون تركيبات ثنائية أو ثلاثية تشارك في صنع السلوك.

المفهوم في الممارسات الحالية (الطب النفسي وعلم النفس)

في الدليل التشخيصي الإحصائي الخامس (DSM-5)، تُصنف النرجسية تحت مسمى اضطراب الشخصية النرجسية (NPD)، ويُعرّف بأنها نمط دائم من العظمة (في الخيال أو السلوك)، والحاجة المفرطة للإعجاب، وغياب التعاطف، ويبدأ في مرحلة البلوغ المبكر ويظهر في سياقات مختلفة.
من أبرز السمات التشخيصية:

  • شعور متضخم بأهمية الذات.
  • انشغال بخيالات النجاح والقوة والجمال.
  • الاعتقاد بالتفوق على الآخرين ووجوب التعامل معهم على هذا الأساس.
  • الحاجة المفرطة للإعجاب.
  • استغلال الآخرين لتحقيق مصالحه.
  • نقص التعاطف.
  • الغيرة من الآخرين أو الاعتقاد بأنهم يغارون منه.
  • سلوكيات متعجرفة أو متغطرسة.

التفسير السائد لأسباب النرجسية يشمل:

  • تربية تدلل الطفل مفرطًا أو تنتقده بشدة.
  • صدمات أو إهمال عاطفي في الطفولة.
  • تعويض عن شعور داخلي بالنقص.
  • عوامل بيولوجية ونفسية متشابكة.

التوجه العلاجي:

  • العلاج النفسي الفردي (وخاصة العلاج التحليلي النفسي).
  • تعديل السلوك.
  • التركيز على بناء التعاطف وفهم الآخرين.
    لكن في الثقافة النفسية والمجتمعية، تم اختزال النرجسية في صورة “المستغل الأناني” أو “المسيطر المتلاعب”، حتى صارت وصمة شبه دائمة.

المفهوم في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية

في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية، النرجسية تُسمى “الشخصية القيادية”، وهي نمط عصبي وراثي طبيعي، ليس مرضًا ولا خللاً نفسيًا، بل هو تصميم عصبي له دور محدد في البناء الاجتماعي للبشر.
من سمات هذه الشخصية:

  • فكر استراتيجي: القدرة على التخطيط البعيد المدى، ووضع خطط بديلة، وقراءة المواقف بدقة.
  • ثبات انفعالي: لا تنهار أمام الضغوط، بل تحافظ على رباطة الجأش.
  • عقلانية في اتخاذ القرار: تميل للحلول العملية بدل الانفعالية.
  • قدرة على السيطرة والتنظيم: تحريك الناس وتوزيع المهام وحشد الجهود نحو هدف مشترك.
  • اهتمام بالمظهر والشكل الخارجي: جزء من قيمها حول الانضباط والهيبة.
  • حساسية للخصوصية والسيادة: تحرص على وجود مساحة شخصية وحدود واضحة.
  • شعور داخلي بالخوف: ليس ضعفًا، بل دافعًا للتخطيط والسيطرة لضمان الأمان.

في هذا النظام، النرجسية ليست “شريرة” ولا “عديمة التعاطف” بطبيعتها، بل هي تركيبة عصبية وذهنية تؤدي وظيفة، ومتى وُضعت في بيئة مناسبة وأُديرت بحكمة تصبح قوة منظمة وحامية، وليست مصدر هدم.

خطأ تحميل النرجسية وحدها كل المشاكل

إحدى المشكلات الكبرى في الممارسات الحالية هي إلقاء اللوم على الشخصية النرجسية وحدها في النزاعات، خاصة في الزواج أو العمل، استنادًا إلى الصورة النمطية التي رسختها الثقافة الشعبية عن “النرجسي السام”. هذا المنظور فيه عدة إشكاليات:

  1. إهمال الأدوار المشتركة: الصراعات غالبًا نتاج تفاعل بين شخصيات متعددة، لا شخصية واحدة.
  2. تجاهل الديناميكية الثنائية والثلاثية: كثير ممن يُوصفون بالنرجسيين يحملون أيضًا سمات شخصيات أخرى، مثل الارتيابية أو المعادية أو الحدية، وهذه السمات قد تكون السبب الحقيقي في السلوك الظاهر.
  3. التبسيط المفرط: إسقاط المشكلة على سمة واحدة يحرمنا من فهم أعمق للأسباب الحقيقية للصراع.
  4. وصمة مرضية غير عادلة: تحويل النرجسية من صفة قيادية إلى تهمة نفسية دائمة.
  5. إهمال قيم الإنسان، فمن يحمل الشخصية النرجسية يحمل معها مهارات قد يستخدمها في الخير أو الشر وهذا اختيار وليس مرضًا.

ثنائيات وثلاثيات الشخصيات وأثرها في السلوك

في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية، معظم الناس ليسوا شخصية واحدة نقية، بل يحملون تركيبات من شخصيتين أو ثلاث. على سبيل المثال:

  • نرجسية ارتيابية: تجمع بين القيادة والحذر المفرط، ما قد يجعلها شكاكة في الآخرين لكنها لا تتخلى عن دورها القيادي.
  • نرجسية معادية: قيادة مع نزعة لمعارضة التيار والسخرية، ما يجعلها صدامية أحيانًا.
  • حدية نرجسية: تجمع بين الإبداع القيادي، ما يجعلها طاقة متجددة في الإدارة والتجديد.
    هذه التركيبات تخلق ديناميكية معقدة في السلوك، فلا يصح اختزال الشخص في “النرجسية” فقط.

التعامل العلاجي في النظامين

في الممارسات الحالية:

  • يُركز العلاج على تعديل السلوك النرجسي وبناء التعاطف.
  • يُنظر للشخص النرجسي كمصدر محتمل للضرر يحتاج إلى ضبط أو تقويم.
  • قليل من التركيز على البيئات التي تناسب قدراته.

في نظام البناء العصبي الوراثي:

  • يبدأ التشخيص بفهم البنية الكاملة للشخصية، بما فيها الثنائيات والثلاثيات.
  • التركيز على توزيع الأدوار بما يناسب قدراته القيادية بدل قمعها.
  • إدارة التفاعل مع سماته الأخرى (مثل الارتيابية أو المعادية) لضبط التوازن في السلوك.
  • النتيجة: توظيف الشخصية القيادية لصالح الجماعة بأسلوب قابل للتنفيذ ويرضي الاحتياجات النفسية للفرد وعادل لمن حوله بدل عزلها أو مهاجمتها.

أثر المفهوم على العلاقات

في الممارسات الحالية، يُنظر للنرجسية كمصدر تهديد للعلاقات، ما يجعل التعامل معها قائمًا على الحذر وربما الإقصاء.
أما في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية، فالنرجسية عنصر تنظيمي وحمائي، وإذا أُديرت ضمن بيئة تعرف احتياجاتها وتوازنها مع شخصيات أخرى، يمكن أن تكون ركيزة استقرار لا عامل فوضى.

الخلاصة

الفرق الجوهري بين النظامين هو أن:

  • الممارسات الحالية ترى النرجسية اضطرابًا مرضيًا وتحمّلها وزر كثير من المشاكل، وتغفل عن التراكيب الشخصية المعقدة التي تشارك في صنع السلوك ولا تعطي مخرجًا.
  • نظام البناء العصبي الوراثي يرى النرجسية شخصية قيادية موروثة، لها دور اجتماعي فطري، ولا يمكن الحكم عليها بمعزل عن سماتها الأخرى أو السياق الذي تعمل فيه وتعطي أسلوبًا عقلانيًا تفصيليًا للفهم وحل المشكلات.

هذا الفهم لا يغير فقط نظرتنا للنرجسية، بل يغير طريقة تعاملنا مع النزاعات، فبدل البحث عن “المذنب”، نبحث عن ديناميكية الشخصيات التي أنتجت المشكلة، ونوزع الأدوار وفق البنية العصبية لكل طرف، مما يحول الخلافات إلى فرص للتكامل.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى