العلاقات السامة بين المنظور السائد ونظام البناء العصبي الوراثي للشخصية
أصبح مصطلح “العلاقات السامة” من أكثر المفاهيم رواجًا في الثقافة النفسية الحديثة، سواء في الممارسات العلاجية أو في الإعلام ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي. يُستخدم المصطلح لوصف أي علاقة تسبب الأذى النفسي أو تستنزف الطاقة العاطفية للفرد. ورغم انتشار هذا المفهوم، إلا أنه في كثير من الأحيان يُستعمل بطريقة سطحية وفضفاضة، تُحوّل أي صعوبة في التفاهم أو اختلاف في الطباع إلى علاقة “سامة”.
في المقابل، يقدّم نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية رؤية مختلفة وأكثر تحفظًا: إذ يرى أن إطلاق حكم “السُمّية” على علاقة قد يكون في أحيان كثيرة إساءة لفهم اختلاف البنى العصبية الوراثية للشخصيات. فالسؤال الحقيقي ليس: هل العلاقة سامة؟ بل: من السام لمن؟ وهل نحن أمام سمّية حقيقية أم أمام تصادم طبيعي بين شخصيات لم يُفهم بعضها بعضًا؟
العلاقات السامة في المنظور السائد
تعريف العلاقات السامة
يُقصد بها العلاقات التي:
- تستنزف طاقة الفرد النفسية.
- تقوم على التلاعب أو السيطرة أو الإهانة.
- تولد القلق المستمر أو الإحباط أو فقدان الثقة بالذات.
السمات الشائعة في الشخص “السام”
- كثير الانتقاد أو التقليل من شأن الآخر.
- يمارس السيطرة أو التلاعب العاطفي.
- يفتقر إلى التعاطف.
- يضع احتياجاته دائمًا فوق احتياجات الآخرين.
التوصيات العلاجية
- التعرف على علامات العلاقة السامة مبكرًا.
- وضع حدود صارمة.
- إنهاء العلاقة إذا استحالت إصلاحها.
إشكاليات هذا المنظور
- التبسيط المفرط: أي خلاف أو سوء تفاهم قد يُصنف “سامًا”.
- إهمال دور الشخصيات المختلفة في تشكيل نمط التفاعل.
- التركيز على الضحية والجلاد، وكأن العلاقة أحادية البعد.
العلاقات السامة في نظام البناء العصبي الوراثي للشخصية
الأساس النظري
في هذا النظام، كل إنسان يولد ببنية عصبية وراثية محددة (شخصية أو أكثر ضمن تركيبة)، لها احتياجات نفسية خاصة. وعندما لا تُفهم هذه الاحتياجات أو تُلبى بشكل صحيح، تظهر تصرفات قد يراها الطرف الآخر “مؤذية” أو “سامة”.
سؤال جوهري: من السام لمن؟
- قد يرى التجنبي (المجتهد) أن النرجسي (القيادي) “سام” لأنه يفرض السيطرة.
- بينما يرى النرجسي أن التجنبي “سام” لأنه يتباطأ ويشكك ويعطل القرارات.
- الحدي (المبدع) قد تراها الشخصيات الأخرى “مرهقة” بسبب نشاطها الذهني العالي وتبدلها السريع.
- المعادي (المقتص) قد يفهم الآخرون أسلوبه الساخر وانفكاكه من أي سلطة وفشل السيطرة عليه أنه شخصية مريبة وخطيرة.
- الارتيابي (الشرطي) يمتلك أسلوبًا في الانتقاد والشك يجعل الآخرين يشعرون وكأنهم متهمون ظلمًا.
إذن، ليس هناك “شخص سام” بالمطلق، بل هناك تباين في الاحتياجات والأولويات بين الشخصيات.
جذور سوء الفهم
كل شخصية عصبية وراثية لها احتياجات نفسية ودوافع غير الآخرى، على سبيل المثال:
- الحدية: تبحث عن التشبع الفكري، فإذا لم تجده تتململ وتثور، فيُفهم ذلك كعدم رضا دائم.
- النرجسية: تبحث عن الأمان بالسيطرة والتخطيط، فيُفهم ذلك كأنانية أو استبداد.
- الارتيابية: تحلل وتشُك لتكشف المخاطر، فيُفهم ذلك كاتهام أو عدائية.
- الهستيرية: تجذب الانتباه بالسطحية والدراما، فيُفهم ذلك كابتذال أو سطحية مزعجة.
كل هذه التفسيرات ليست سمّية بالضرورة، بل هي تعبيرات عن احتياجات لم تُفهم في سياقها العصبي.
متى تكون العلاقة “سامة حقًا”؟
- حين تتحول إحدى الشخصيات إلى استغلال دائم للطرف الآخر، دون أي اعتراف أو توازن.
- حين يُستخدم الفارق البنيوي لإذلال الآخر أو حرمانه من حقوقه.
- لكن حتى في هذه الحالات، يفسر النظام الأمر كـخلل في إدارة التركيبة العصبية أو غياب للتقوى، لا كطبيعة شريرة أو سُمّية أصيلة.
وهنا يأتي قول الله تعالى: “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) سورة الفرقان ليلخص المطلوب وقت وجود أزمة في العلاقات.
المقارنة بين المنهجين
| الجانب | المنظور السائد | نظام البناء العصبي الوراثي |
|---|---|---|
| المفهوم | علاقة مؤذية تُنهك الطرف الآخر | تصادم احتياجات عصبية وراثية لم تُفهم |
| الشخص السام | طرف بعينه يمارس التلاعب والسيطرة | لا يوجد سام مطلقًا، بل “من السام لمن” حسب التفاعل |
| الحلول | وضع حدود، الانسحاب من العلاقة | فهم البنى العصبية، إدارة الاحتياجات، إعادة بناء العلاقة |
| الوصم | توصيف أحد الطرفين بأنه مؤذٍ دائمًا | إزالة الوصم: الكل أنماط طبيعية، المشكلة في سوء الفهم |
| النتائج | غالبًا قطع العلاقة | إمكان الإصلاح الجذري إذا فُهمت الشخصيات |
إعادة بناء العلاقات في النظام العصبي
بدلاً من شعار “اهرب من العلاقات السامة”، يقدم النظام خطوات لإعادة بنائها:
- تحليل التركيبة العصبية للطرفين: من أي شخصيات يتكون كل طرف؟
- تحديد الاحتياجات: ما الذي يحتاجه كل طرف ليشعر بالأمان أو التشبع؟
- فك رموز السلوكيات: الكلمات الجارحة للارتيابي قد يكون قسوة طبع بلا هدف، أي أن الكلام ليس له مقصد محدد أو يكشف نوايا.
- إيجاد التوازن: توزيع الأدوار حسب البنية (القيادي يخطط، المبدع يبتكر، المجتهد ينفذ).
- منع الاستنزاف: عبر توضيح الحدود ليس بوصف الآخر “سامًا”، بل عبر إدارة طاقته من خلال معرفة ما وراء سلوكه أو بمعنى آخر دوافعه.
أمثلة تطبيقية
في هذه الأمثلة أستخدم أسلوب الشخصيات المفردة بينما على أرض الواقع الشخصيات إما ثنائية أو ثلاثية.
مثال 1: زواج بين شخصية نرجسية وتجنبية
- المنظور السائد: النرجسي سام لأنه يسيطر، والحل الانفصال.
- البناء العصبي: النرجسي يبحث عن الأمان بالتحكم، والتجنبي يبحث عن مساحته الشخصية بعيدًا عن الضغط والسيطرة. الحل: كل طرف يحترم احتياج الآخر بشكل يكفل لكلاهما الاتزان، فيصبحان مكملين لبعض.
مثال 2: علاقة عمل بين حدية وهستيرية
- المنظور السائد: الحدية تستهلك الأعصاب بتقلبها، والهستيرية سطحية وسامة.
- البناء العصبي: الحدية تولد الأفكار، والهستيرية تعرضها بشكل لافت. الحل: إدارة التكامل بدل الصراع.
مصطلح “العلاقات السامة” كما يُتداول في الطب النفسي وعلم النفس الحالي يحمل طابعًا إقصائيًا ووصميًا: يحدد شخصًا كـ”المؤذي” والآخر كـ”الضحية”. لكن في ، يذوب هذا المفهوم في إطار أوسع: العلاقات ليست “سامة” بحد ذاتها، بل قد تكون تصادمًا في الاحتياجات العصبية لم يُفهم بعد.
بهذا الفهم، يتحول التركيز من الهروب والانسحاب إلى الفهم والإدارة وإعادة البناء. وهذا لا يخفف فقط من الوصم الاجتماعي، بل يقدم حلولاً أكثر عدالة وعمقًا، إذ يمنح كل شخصية حقها في أن تكون ما هي عليه، ويمنح العلاقات فرصة للتحول من ساحة صراع إلى ساحة تكامل.










