الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
آخر الموضوعات
الرئيسية » داليويات » نفسية » رقائق نفسية » هل النرجسي وغيره من مضطربي الشخصية يمكن أن يصبح مسلما صالحا؟

هل النرجسي وغيره من مضطربي الشخصية يمكن أن يصبح مسلما صالحا؟

narcisstic

بقلم داليا رشوان

اضطراب الشخصية ليس مرض نفسي ولكنه مجموعة سمات لأنواع من الشخصيات التي تركبت فيها عيوب أثناء النمو.

المشكلة أن بعض هذه العيوب يكمن في صفات تنسف الأساس الذي يعين الإنسان على فعل الأعمال الصالحة، مثل أن تدور الحياة حول شخص هذا الإنسان في الشخصية النرجسية، أو الشك في الآخرين أو العدوان تجاه المجتمع في شخصيات أخرى لديها مشاكل في التعامل مع الناس. ولمزيد من فهم اضطرابات الشخصية يمكن مراجعة اضطرابات الشخصية وسماتها الأساسية في هذا الرابط.

ما دفعني للتساؤل حول قابلية هذه الشخصيات للإصلاح هو أنني قابلتها كثيرا من حولي، سواء شخصيات بها اضطرابات مشابهة للتصنيف العالمي المذكور في الموضوع أعلاه، أو شخصيات أخرى غير مصنفة في التصنيف العالمي، ولكنها مصنفة في القرآن وهي الشخصية المنافقة التي تدور حياتها حول رضا الناس.

إن الله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم، وهذه الشخصيات حين تقابلها، تشعر أنه من المحال أن يكون هناك أي أمل في إصلاحها، فبدأت بالبحث حول آلية يمكن بها كسر هذه الشخصيات أو هذا الغطاء السميك من سمات فجة وبعيدة عن الإصلاح من أجل توعية الناس بها، فقد يستطيع إنسان أن يغير نفسه أو يستطيع غيره ممن يحبه ويصاحبه أن يستغل بعض الثغرات التي وجدتها، كما أن تحليلي هذا سيكون مهما في بناء أساس دعوة هذه الشخصيات التي تبدو من الخارج أنها غير قابلة لأي إصلاح.

العلاج النفسي الرسمي

علاج اضطراب الشخصية في الطب النفسي يعتمد على جانب واحد فقط وهو إرادة الشخص أن يتغير ليتحمل صعوبة تغيير السلوك لأن هذه الشخصيات غالبا ما تكون راضية عن نفسها وسعيدة بما هي فيه وغير راغبة في التغيير، بل وترى المجتمع الطبيعي هو الذي فيه العيوب، وعلى هذا الأساس لا يمكن علاجها.

ولكن في بعض الحالات يتعرض مضطربي الشخصية لرفض المجتمع لهم أو ضغوط عليهم أو مآسي تجبرهم على البحث عن التغيير وتقبل العلاج النفسي السلوكي الذي يستهدف تغيير السلوك وأسلوب الحياة الخاطئ التي أسست عليه هذه الشخصية منطق أفعالها.

الوعي بالذات

كنت أتحدث مع زميلة عن القطط فقالت لي “لا أحبهم أنا نرجسية لا أحب العطاء”.

الجملة جعلتني انتبه لأني كنت أظن أن النرجسي لا يعرف ذلك عن نفسه؛ كان من الغريب أن يقولها شخص لآخر ليس قريب منه بمنتهى البساطة وفي سياق الكلام دون أي مشكلة!!! كان الأمر جديد عليِّ بالفعل، ولو أنها حدثت مرة واحدة لكن يعني ذلك أن هناك نسبة من مضطربي الشخصية يعرفون عن حقيقة أنفسهم الكثير.

آلية كسر الشخصية

شخصية الإنسان على عيوبها هي عبارة عن إطار خارجي سميك من الصعب تغييره إلا إذا تم كسره أو شرخه على أقل تقدير. الشئ الوحيد الذي يستطيع ذلك هو الابتلاء شديد. هذا الابتلاء هو الأداة التي يعطينا الله بها فرصة ثانية، هي لحظة يكشف لنا سبحانه فيها الحقيقة ولو للحظات، وهو الأمل الوحيد لمضطرب الشخصية.

لكن هناك عقبة أخرى، كثير من الناس تحت ضغط الابتلاء تقرر التغيير وتثبت عليه فترة حتى إذا رُفع الابتلاء عادت كما كانت. لذا فإن هناك عقبة التغيير وقت الابتلاء وعقبة الثبات بعد رفع الابتلاء.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ   الأنعام (42)

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ   المؤمنون (76)

فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ   الأنعام (43)

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ – الأنعام

إذا أردت تغيير آخر

المسألة لا تتعلق فقط بأن يغير الشخص نفسه ولكن هذا معناه أنه إذا كنت تريد محاولة نصح شخص قريب منك وتتمنى أن تراه من الصالحين ففرصتك الوحيدة هي عند وقوعه في ابتلاء.

والنصح وقتها لا يكون بشكل مستفز حتى لا تثير داخله العند وتضيع عليه هذه الفرصة، ولكن النصح يكون بأن تتحدث معه وتواسيه وتظهر له تماما أنك في صفه ولو افتعلت ذلك ولو اضطررت إلى التمثيل عليه حتى يشعر بالأمان تجاهك، ثم تبدأ بهدوء وبمنتهى الرقة إظهار عيب في منظومة تفكيره وكيف أنها تسببت في مشاكله وأنه إذا تبنى أسلوب كذا ستصبح حياته أفضل.

ولكن إذا كنت تعرف الشخص جيدا وتعرف أن لفت نظره من قريب أو بعيد سيؤدي إلى نتائج عكسية يمكن أن تأخذه معك في أي مشوار تقوم به تقصد به عمل صالح ثم تبين له الآلية التي فكرت ونفذت العمل الصالح بها والذي تعرف أنه يضاد منظومة تفكيره ولا توجه له حديث مياشر عن أفعاله، وكأنك مجرد تقوم بدردشة لا تتعلق به وكأنك لا تتحدث عنه.

أثناء قيامك بهذا العمل يجب أن تعرف جيدا أنك مجرد وسيط بين هذا الشخص وبين الله أي أنك مجرد سبب، وما إن فعلت ما فعلت يصلك أجرك من الله ويصبح دورك منتهي بعد أن قمت بما كلفك الله به، لذا لا تضغط ولا تصر ولا تغضب إن فشلت محاولتك، فقد تكون قد أثرت في نفس هذا الشخص بالفعل ولكنه لم يقل لك شيئا وبعد عدة ابتلاءات أخرى ستظل كلماتك والمواقف التي أظهرتها له تدور في رأسه حتى يحين وقته، لكن إذا ختمت رغبتك في النصح بإساءة فقد أضعت ثوابك وربما قطعت على هذا الشخص طريق العودة إلى الله.

الحصار المجتمعي

ويأتي هنا دور هام للمجتمع في الضغط على مثل هذا الشخص للتغيير، وذلك باستعادة خلق تغيير المنكر الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم [مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ] اليد واللسان يقع تحتهما الكثير من الإجراءات المضادة حين يقوم شخص مسئ بمنكر، قد يكون إجراء عملي أسري أو اجتماعي، أو إجراء إداري أو قضائي أو نصيحة تقولها أو ردع بألفاظ قوية أو محاورته بالمنطق. أما التغيير بالقلب وهو أضعف الإيمان فالكل يركن له ويعتبرونه إنكار المنكر بالقلب بشكل غير ظاهر ولا يعلم عنه أحد، وكان هذا الأمر يضايقني فعلا كلما قرأت الحديث، فهذا ليس إجراءا قويا أو فعالا من أي ناحية لتغيير المنكر فكيف يكون أضعف الإيمان؟ وكيف يكون من الإيمان ترك المسئ يطيح في الأرض دون أي شئ ظاهر من الإنسان؟ وظللت على هذا التساؤل حتى سمعت الشيخ الشعراوي رحمه الله يشرح هذا الجزء فاطمأن قلبي بعدها بالرغم من أن ما قاله ليس معروفا أو منتشرا مثل أقوال أخرى. قال الشيخ أن تغيير المنكر بالقلب يعني المقاطعة.

والمقاطعة أسلوب فعال في تغيير المنكر، فلو قام أحد الزملاء مثلا بعمل غير أخلاقي وقاطعه الجميع دون النطق بكلمة واحدة لفكر هذا الزميل ألف مرة قبل أن يُكرر ما فعل، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بين الناس في حالة من القطيعة. قصة عقاب الذين تخلفوا عن الجهاد من المؤمنين في غزوة تبوك من مقاطعة الناس لهم كانت أوضح مثال.

وعودة إلى مضطرب الشخصية، إذا قام مضطرب الشخصية بعمل غير أخلاقي ووجد رد فعل عنيف ممن حوله لآثر أن يغير أسلوبه ولو ظاهريا حتى لا يوقع نفسه في مشكلة، كما أن المقاطعة وحدها كفيلة بعمل حصار نفسي على هذا المضطرب وخلق أزمة شديدة له تضطره إلى إعادة النظر في سلوكه مع الآخرين.

أي أن حديث تغيير المنكر هو أحد الأساليب التي تحد من أضرار مضطربي الشخصية بل وتضعهم في وضع ضغط وحصار ينبغي معه التغيير السلوكي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*