الخميس , 21 سبتمبر 2017
آخر الموضوعات

نقيصة البخل

بقلم هاني مراد

tight-fistedشعرت ببطء جهاز الكمبيوتر بعض الشيء. فقلت حسنا سوف أذهب لشراء جهاز جديد. أخذت معي ما يزيد على 10 آلاف جنيه لشراء الجهاز، ولكن بدا لي أن أذهب بالجهاز القديم إلى متجر الصيانة، فربما يكون به عيب صغير. أوقفت السيارة إلى جوار المتجر، ولم أجد معي خمسة جنيهات لأعطيها للعامل الذي يساعد في إيجاد مكان لإيقاف السيارة. لكني وجدت 20 جنيهاً، وعندما أعطيتها له، كاد يطير فرحاً. فقلت لنفسي والله لقد فرحت لفرحك!

وعندما دخلت إلى المتجر، لاحظت رجلا في العقد الرابع من عمره يبدو عليه أنه مهذب للغاية ويتحدث مع العاملين في المحل بكل أدب ودعابة لا تفارقه! كان ذلك الرجل يشتري مكونا من مكونات الكمبيوتر ثمنه 1000 جنيه! ومع ذلك، لاحظت أن الرجل الودود الكبير المهذب، الذي لا يبدو أنه فقير، يجادل البائع الشاب حتى لا يسدد خمسة جنيهات!

عجبت لأمر هذا الرجل! فما الذي يضيره في خمسة جنيهات؟ هل ستفقره أم تغنيه؟ إم إن هذا طبع من طباعه؟ وكيف لرجل أن يكون بهذا الذوق والابتسامة وتنميق الكلام، ثم يسقط هذه السقطة المعيبة؟ وهي ليست مجرد سقطة! إنها إن عبّرت فإنما تعبّر عن أسلوب حياة! تعبّر عن فكر عقيم، وعقل فقير، وروح عجيبة! وكان أشد ما يدهشني ويغيظني في آن، هو أدب هذا الرجل، مع هذا البخل غير المعقول!

جالت هذه الأسئلة في رأسي! وقد أذهلني الموقف، فلم أكد أعلم فيم أفكر أو أتناسى من أمر هذا الرجل!

حمدت الله بعد أن أصلح الشاب جهاز الكمبيوتر، فلن أحتاج إلى دفع 10 آلاف جنيه ثمن جهاز جديد!

ثم تذكرت صاحب العشرين جنيه! وساءلت نفسي: ماذا لو لم أعطه هذه الجنيهات القليلة التي رآها كثيرة، ثم دفعت ثمن الجهاز الجديد؟ ثم تذكرت صاحب الخمسة جنيها! وتذكرت ما قد يحل به إن خسر – وكلنا يخسر – أي نقود في أي حدث أو حادث، وتساءلت كيف سيشعر! وما ضره لو دفع هذه الجنيهات القليلة، وإن كانت دون مقابل إلا أن ينظر نظرة احترام لذاته؟

إننا في حاجة إلى تغيير نظرتنا القاصرة التي يحكمها البخل، وتحكمها مبادئ الحساب المجرد من أي قيمة!

قدت السيارة عائدا إلى المنزل، وقد أيقنت أن بعض الناس يحتاج إلى رأس جديد، أو صيانة دورية، مثلهم مثل جهاز الكمبيوتر.

hany_murad

عن الكاتب

مترجم محترف ومراجع ومدير ترجمة، عمل في مصر وخارجها، وكاتب لمقالات الرأي. ترجم العديد من الكتب والدراسات الإنجليزية إلى اللغة العربية، في مجالات مختلفة.

حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية، وأخرى في اللغة الإنجليزية. عمل في مصر في مجال تعريب برامج الكمبيوتر، ثم عمل لعدة سنوات خارج مصر.

عمل مديرا لقسم الترجمة بجريدة الشرق الأوسط الدولية التي تصدر من لندن. كما شارك في تأسيس مؤسسة “دار الترجمة” للتعريف بالإسلام بمختلف اللغات، وعمل مديرا لقسم الترجمة العربية بها.

ألف بحثا عن فن الترجمة، وآخر عن سيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كما شارك في تأليف كتاب عن الكتابة التجارية باللغتين العربية والإنجليزية.

يعمل حاليا في مجال الترجمة والمراجعة، ويقدم خدماته للعديد من الشركات والمؤسسات العربية والدولية.

يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني: hanymourad2@yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*