الإثنين , 21 أغسطس 2017
آخر الموضوعات

زوجة متمردة – قصة قصيرة

بقلم هاني مراد

heartكان مثاليا يسعى لنشر الفضيلة في مقتبل شبابه. وبسذاجة الشباب، كان إذا فكر في الزواج، رغب في الزواج من فتاة غير محجبة، حتى تتحجب وحتى تلتزم بشرع الله، في عصر التغريب والتجهيل، فيكون الزواج سببا في هداية إنسان.

لم تسعفه خبرته الوليدة لأن يلتفت إلى خطر ما يصنع، ولا صعوبته. لم ينظر إلى مال أو جمال، ولم يكن يشغل فكره سوى هداية وإنقاذ إنسان.

وبعد أن بلغ في ذلك الفكر الساذج ذروته بالزواج، وبعد أن هيئ إليه أنها التزمت بشرع الله وبالحجاب، بدأت المعاناة مما اعتقد أنه ذهب ولن يعود.

بدأت معاناته من ذلك الفكر التحرري التغريبي الذي نشأت عليه، وطبع شخصيتها، وإن التزمت وحافظت على حجابها وصلاتها.

ظهرت الرغبة المستمرة في العناد، وصبغت الندية العلاقة بينهما! كانت دائمة الجدل في كل صغيرة وكبيرة، لكرهها الدفين لقوامة الرجل. فلا هي تقبل بقوامة الرجل وحقه عليها في طاعته، ولا هو يقبل رغبتها في أن تقوم مقام الرجل. كانت تعتبر أن كل ما يقوم به شيء بديهي مسلم به، لا يستحق عرفانا أو شكرا عليه!

حافظ عليها من أن تعمل خارج المنزل. حج عن والدها المتوفى. جعلها تحج وتعتمر مرات عديدة. اجتهد سنين طويلة في العمل، ليحصل على مسكن جديد لأسرته الصغيرة. اجتهد واجتهد حتى يوفر لأسرته كرامة العيش وادخار المستقبل.

حصل الطفلان على تعليم مميز، وعاشا حياة كريمة، في بلد يعاني فيه معظم أهله من ضيق ذات اليد.

كان إنسانا مؤمنا، للقرآن الكريم حافظا، ومحافظا على قيام الليل، ويساعد المحتاج، ويحافظ على صلاته في المسجد. كان بشوش الوجه لا تفارق البسمة محياه، لين الجانب، يمازح ويعانق ويلاعب أطفاله دائما.

كان يتذكر ذكرى ميلادها، فيحضر لها الهدايا وتخرج الأسرة للتنزه وتناول الطعام. كان يساعدها في كل أعمال المنزل، مع أنها لم تعمل يوما. فكان يعد الطعام في بعض الأحيان. وكان ينظف حوائط المطبخ لأن يديها لا تتحملان. كان يقوم بكي ملابسها، لأنها “تكره كي الملابس”. وكان ينظف ثريات وحوائط المنزل، وكان يعلق الستائر ويكنس التراب. كان لا يطلب منها إعداد فنجان قهوة أو كوب شاي. لم يكن يطلب منها إعداد طعام، وكانت تطلب الطعام الجاهز من المطاعم في أي وقت تشاء. كان دائم شراء “الشيكولاته” لها في معظم الأيام. كان دائم الشكر لها إذا أعدت الطعام، فتعلم الأطفال منه عبارة “سلمت يداك”.

كان يشتري الخضروات وطلبات المنزل، وبمجرد أن يضع حمله الثقيل، كانت تنتقد ما اشتراه، ومع ذلك كان يتحمل ويصبر.

وكان يشجعها على كتابة الكتب للأطفال، وكان يساعدها ويصحح لها ما كتبت.

اشترى لها سيارة، مع أنها لم تكن تعمل! وعلمها القيادة! كان يشتري لها أجهزة الكمبيوتر المحمول والهواتف الذكية الجديدة كل عام أو اثنين. وكان يعطيها ما تشاء لشراء ما تشاء.

كان يدللها دائما، حتى إنها كانت دائمة الخوف من حسد من حولها.

كان يقوم بذلك ليس عن ضعف في شخصيته أو لعيب فيه، بل احتسابا لله وتأسيا برسوله في إكرام أهله والإحسان إليهم.

لكن سيطرت عليها تلك الرغبة القديمة، وذلك الفكر الذي نشأت عليه، وكان العناد وسيلة التعبير عن ذلك الفكر، وعن محاولة إثبات الذات.

صبر أعواما طويلة حفاظا على الميثاق الغليظ، وحفاظا على الأطفال، وحسبة لله.

مرت السنون وكبر الأطفال، ولم يعد يطيق. وعندما فاق سوء الخلق قدرته على الصبر، ضاق بها ذرعا، ولاحت النهاية في بعيد الأفق. أصبح الطلاق واقعا لا خيار فيه. قرر أن يبحث عمن توافقه الفكر والشعور والخلق والروح. قرر أن يحيا حياة يشعر فيها بالحياة.

 

hany_murad

عن الكاتب

مترجم محترف ومراجع ومدير ترجمة، عمل في مصر وخارجها، وكاتب لمقالات الرأي. ترجم العديد من الكتب والدراسات الإنجليزية إلى اللغة العربية، في مجالات مختلفة.

حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية، وأخرى في اللغة الإنجليزية. عمل في مصر في مجال تعريب برامج الكمبيوتر، ثم عمل لعدة سنوات خارج مصر.

عمل مديرا لقسم الترجمة بجريدة الشرق الأوسط الدولية التي تصدر من لندن. كما شارك في تأسيس مؤسسة “دار الترجمة” للتعريف بالإسلام بمختلف اللغات، وعمل مديرا لقسم الترجمة العربية بها.

ألف بحثا عن فن الترجمة، وآخر عن سيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كما شارك في تأليف كتاب عن الكتابة التجارية باللغتين العربية والإنجليزية.

يعمل حاليا في مجال الترجمة والمراجعة، ويقدم خدماته للعديد من الشركات والمؤسسات العربية والدولية.

يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني: hanymourad2@yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*