الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
آخر الموضوعات
الرئيسية » داليويات » إسلامية » مفاهيم إسلامية » حسن الخلق هل يصح دون إيمان بالله؟‏

حسن الخلق هل يصح دون إيمان بالله؟‏

1224992263رأينا الكثير من المسلمين الذين يظهر عليهم مظاهر التدين أو يصنفون أنفسهم هكذا، تجدهم حين الأزمة والإبتلاء يتصرفون بما لا يتناسب مع ما اتخذوه لأنفسهم مسلكا، مما يسئ للدين بشكل شديد خاصة حين يكون مِن حولنا مَن يتربص بنا وينتظر تلك السقطات ليثبت أن الإسلام لا يصلح إلا للمساجد وعلى المسلمين إعتزال أوجه الحياة المختلفة ومنها تلك السياسية. 

السلوكيات التي تخرج من المسلمين سلوكيات غريبة حقا وربما يلصقها البعض بالإسلام لأنه يرى أن الأوروبيين والأمريكيين ممن هم بالكاد يعترفون بالمسيحية ولا يلتزمون بها (أي غير المتدينون) لا يخرج منهم مثل هذه السلوكيات فما سبب وصول المسلمين إلى هذا الحال إلا أن يكون الإسلام هو السبب من وجه نظرهم؟

قد يقول المرء أنها تربية أو ثقافة ولكن في دولنا العربية أخلاقيات وموروثات جميلة لا يوجد مثيلها في الدول الغربية، والبعض الآخر يقول أنها غياب للقانون وذلك على الرغم من أن العرب يهاجرون بمثل هذه السلوكيات إلى بلاد الغرب ويكررون ما يفعلون في بلادهم ويسيئون بذلك للمسلمين هناك أيضا.

هنا يخفى على بعض الناس أن من لا يؤمنون بالله في الدول الغربية يؤمنون بشئ أخر وهو أن الإنسان إذا أعطى للطبيعة أعطته فإن أعطى خيرا ردته وإن شرا ردته أيضا. كما أنهم يعرفون تماما تأثير أوجه فعل الخير والعطاء للآخرين على نفسية الإنسان فيعطيه شعورا طيبا مفعما بالراحة والهدوء النفسي فيستخدمون هذه المعاني لضمها في جلسات علاج نفسي لمرضى الإكتئاب.

أما نحن المسلمون في الدول العربية فنستقي هذه المفاهيم من الإسلام فإن اختصرناه في تصنيف في البطاقة الشخصية أو في حركات رياضية في صورة صلاة وعادات أخرى ورثناها لا روح لها ولا معنى بالنسبة لنا أو أننا نفعل شكليات الدين ونبذل فيها قصارى جهدنا لإتقانها ولكن لا يوجد صلة حقيقية بيننا وبين الله، فإن هذه المظاهر لن تقَوِّم أخلاقنا وستقترن بالأخلاق التي نراها ونستاء منها.

الغرب يؤمن بقانون “إن أعطيت الطبيعة أعطتك” وأن “عمل الخير مفيد للحالة النفسية” ولكننا نعرف أن الله هو كل شئ بالنسبة لنا فإن لم نجعل الله تعالى رقيبا علينا في أعمالنا فلن يعد لنا رقيبا أو دافعا للخير بأي مفهوم لأننا لن نقبل مفهوما آخر، والإنسلاخ من رقابة الله تدفع الإنسان لأن يكون مؤمنا بأنه حر يفعل كيفما شاء وتغلب الأنانية على منطق حُكمُه على الأمور من حوله وحب الخير لنفسه بما يتفق مع أهوائه لا ما يتفق مع ما يعم عليه بالفائدة مما أمره به ربه سبحانه وتعالى وهو أعلم بما يفيده.

 حسن الخلق دون إيمان بالله

بعض الناس سيقول أن هذا الكلام غير صحيح وأن هذه العلاقة بالله ليست بالضرورة هي التي تخرج لنا أخلاقا كريمة فنحن نعرف كثير من غير المتدينين ومع ذلك هم على مستوى خلقي عالي.

الإنسان بالفعل قد يتربى على بعض الفضائل ولكنه وإن ظهر على أفضل ما يكون للناس ستظل هناك نقاط ضعف لن يستطع مقاومتها إلا بأن يؤمن بالله، وينطبق ذلك على الإنسان حسن الخلق سواء كان عربيا أو أجنبيا.

الإيمان بالله يجعلك تعلم يقينا أن أجرك على إحسانك في خلقك محفوظ عند من لا ينسى ومن يعرف جيدا قيمة ما فعلت بل ويعطيك بقدره العظيم فهو الشكور الكريم وكم من مُحسنٍ يضعف إحسانه أو يتوقف تماما بل قد يصاب بالإكتئاب وينعزل بعد أن يفعل الخير ثم لا يجد إلا الإساءة من الآخرين. من يحسن في أخلاقه دون إيمان بالله قد يفقد هذه الأخلاق في خلافاته أو إذا ظُلم وأراد الإنتقام، وقد يصبح أكثر غلظة وشدة مع كل من يذكره بمن أساء له ولو لم يكن له ذنب. قد يضطر هذا المحسن في  خلقه من وجهة نظر البعض أن يُبَدِّي مصلحته إذا طُلب منه أن ينصر مظلوما مثلا أو أن يقف كشاهد حق في قضية ما لأن هناك مائة سبب وسبب يتعلق بمصالحه مما يمنعه من الشهادة أو نصرة مظلوم أو التعامل بمقاييس وحدود عادلة أثناء التفاوض في حل قضية ما. وقد يكون هذا الشخص أبسط من ذلك، فقد يكون أمام الناس ملاك لأنه يحب أن يظهر في هذه الصورة حرصا منه على سمعته ولكن حين يختلي بنفسه فحدث ولا حرج، أي أن  حدوده هي أعين الناس. الإنسان حسن الخلق بعيدا عن الله يصبح الخطأ والصواب عنده مسألة نسبية بحتة تعتمد على المصلحة والرؤية الشخصية للأمور بعيدا عن مقياس واحد يزن الأفعال.  

هذه الإفتراضات تتعلق بمن حَكَم عليه الناس أنه حسن الخلق دون إيمان بالله فما بالنا بمن هو سئ الخلق.

الإنسان دون ربه يفتقد أشياء تعينه على إستكمال السلوكيات التي تضعه تحت مسمى “حَسَن الخلق” حتى لو كان متدينا بشكل يهتم بمظاهر العبادات دون علاقة قوية بالله.

 كيف يصل المسلم إلى علاقة قوية بالله

أول ما على المسلم أن يرسخه في نفسه كي يصل إلى مقاصد العبادات والفرائض بشكل تلقائي وبسيط هو أن يزرع داخله الحياء من الله.

هذا الحياء يأتي من خلال عدة عناصر إن اجتمعت في قلب إنسان غيرت حياته:

1- تعظيم الله في القلب: ويأتي من التفكر في الكون وفي خلق الله وتدبيره. اسمع الرعد وانظر إلى البحر وأمواجه العاتية والعواصف والريح والجبال وغيرها كلها من جنود الله فما بالك به سبحانه الذي يحرك كل ذلك بـ “كن” فيكون. انظر إلى الكون كيف تصل أعمالنا إلى الله في لحظة مخترقة سبع سماوات بينما لم يستطع أحد أن ينفذ من أولها. تأمل كيف يحيط الله بكل عباده في نفس اللحظة وكيف يرزقهم في نفس اللحظة بما فيهم الحيوانات والنباتات والحشرات في كل مكان في الكون.   

2- تعظيم حب الله في القلب: وذلك بالتفكير في نعم الله على الإنسان والمواقف التي نجاه منها الله وكيف تولاه وكيف يصرف عنه الحزن والخوف وكيف مر بتجارب ظن فيها أنه مقضي عليه وانتهى الموقف دون ألم يذكر. تأمل رحمته بالمؤمنين وشدته على المجرمين وكيف ينتقم سبحانه من الظالم وكيف يعيد الحق للمظلوم. وكم هي التجارب التي وجدت حولنا في هذه الأيام على جميع المستويات تعد عبرة وعظة عظيمة لكل متدبر لها. ولنتأمل آيات الله في القرآن كيف يحدثنا وكيف يرحمنا ويبشر عباده الصالحين ويدعوهم للعودة إليه وأن لا يقنطوا من رحمته.

3- شعور المؤمن المستمر بمراقبة الله له: وهنا لا يتأتى ذلك بالكلام فقط ولكن بإحساس داخلي يورث أفعالا تلقائية. تماما مثل شاب يسير وهو يعلم أن والده بجانبه فينتقي ألفاظه وأفعاله تلقائيا لقناعته الداخلية بوجود والده إلى جانبه، فمن غير المعقول أن يقول هذا الشاب أنه يعتقد أن والده يسير معه ثم يقوم بأفعال لا يستطيع فعلها أمامه، فهنا سنقول له ببساطة “لا” أنت تقول أنك تعلم ولكن أفعالك لا تدل على ذلك لذا فأنت داخليا غير مقتنع أنه يسير معك، وإن علمت لخفت أن يغضب منك ولأمسكت لسانك. المسألة أيضا مشابهة في شعورك بمراقبة الله إن لم تضع في عمق نفسك يقينا بأن الله يرى ويعلم كل ما تفعله وتفكر به في كل لحظة مما يؤدي إلى خروج تصرفات تلقائية منك تدل على ذلك فإنك غير مقتنع بمراقبة الله لك ولو صرحت به قولا.

4- تقوى الله: فبعد علمك بكل ما سبق يجب أن تبحث عن مرضاة الله وأن تتجنب غضبه وهو ما تفعله حين تتقي الله وهو إرادتك الداخلية التي تدفعك بعد كل ما سبق للبحث عن كل ما يرضي الله لتفعله وتجنب كل ما يغضبه عز وجل.   

 من المهم للمسلم أن يعرف كيف يصبر ويتوكل على الله فالتوكل يعينه على الصبر لأنه يعطيه شعور بالثقة والأمان فهو يدفعه إلى العمل وإلقاء عبء الخوف من التبعيات على القادر سبحانه والمحيط بعلمه بكل شئ والذي يعلم خفايا كل شئ والقريب من عباده، كما أنه يجعله واثقا من أن أجره سيصله بقدر ما فعل وإن جاء هذا الأجر من طريق آخر فهو سبحانه الذي يجازيه على إحسانه في خُلُقِه فلا يبتئس من مسئ أو ظالم أو من يكيد له المكائد. كما أن التوكل يساعد على إستمرارية حسن الخلق وعدم القنوط من رحمة الله.    

 وكما رأينا كلما تعلم المسلم صفات الله وزرع قناعة يقينية بها داخل قلبه كلما سار في الأرض بإطمئنان يفعل ما أمر به ولا يعبأ بما حوله.

أما عن تعلم الأخلاق الكريمة فالقرآن وسيرة رسول الله وسنته المطهرة كفيلة بتعليم المسلم الخلق الذي يحرص على شعور الآخر وتماسك المجتمع والتكافل والتراحم وتحقيق العدل بين الناس وذلك الخلق يملى علينا من رب العالمين لذا فهو أكثر شمولا وكمالا من حسن خلق إنسان تربى عليه من وجهة نظر علمانية بحتة وذلك لأن الله أعلم بعباده وأعلم بخط الوسط الذي لا يوجد فيه إفراط أو تفريط يجعل من الخلق نقمة لا نعمة.     

الآن وبعد كل ما ذكرناه أريدكم أن تعودوا معي لمن حَسُنَ خُلُقُه (من وجهة نظر الناس) دون إيمان أو من كان تدينه ظاهريا وتحكموا أنتم بالفارق بينه وبين من يعلم كل ذلك عن الله. إنه فارق شاسع!!!

إن تجاهل الإيمان الحقيقي والرضا بالشكليات استسهالا هو الذي يجعل مسلما مصليا يظهر سلوكا سيئا ولكن هذا لا علاقة له بالإسلام الحقيقي الذي إن تمسك الإنسان به قاد الدنيا بعدله وحسن خلقه ورحمته.

عن داليا رشوان

جميع الموضوعات تحت بند داليويات هي إما من كتاباتي أو تحريري أو ترجمتي، وبعد تطوير الموقع الذي أسسته عام 2006 وبعد 7 سنوات رأيت أنه لزاما علي أن أضع بعض المعلومات عن نفسي حتى يعلم الزائر من أين أتيت بالمعلومات التي كتبتها بالموقع، وما هي المؤهلات التي تيسر لي ذلك خاصة أنني أنوي أن أستفيض في كتابة معلومات علمية ومشاهدات من خلال أحدث الأبحاث أكثر من ذي قبل وهدفي توعية الناس بشأن الكثير من الموضوعات اليومية التي يواجهونها وتصحيح معلومات خاطئة اكتسبوها من مصادر غير موثوق فيها...... للمزيد يمكن زيادة موقعي الشخصي: www.daliarashwan.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*