الثلاثاء , 19 سبتمبر 2017
آخر الموضوعات

حبل الكذب قصير

بقلم هاني مراد

Ropeصورة كبيرة في الصفحة الأولى من كل إصدار.. تقر بها عينا القارئ كل صباح.. عنوان باللون الأحمر الذي يبهر العينين بتوهجه وتميزه عن لون بقية الجريدة كالح السواد.. الخبر الأول، والخبر الثاني، والخبر الثالث في كل نشرة إخبارية، دون انتظار أو توجس من ملل أو تكرار.. نعم، كانت تلك بعض أدوات الوصاية التي تلهب سياطها ظهر القارئ العربي البسيط.. في الماضي.

أما سياط الحاضر.. فمذيعة حسنة الوجه.. والابتسامة.. ومذيع شاب “يضع في الغالب نظارة” للشياكة والوجاهة، والدلالة على الثقافة.. وللولوج إلى القلوب. وضيف.. وما أدراك ما الضيف حين يكون مفروضا ومرفوضا؟! يقال إنه مثقف.. باحث.. دارس.. أو.. خبير!

يدس السم في العسل تارة.. وتارة يقدح لسانه بكل ما هو وقح وقبيح. يماكر، ويخادع، يراوغ، ويجهد في تضليل المشاهدين. إنني أنا المثقف.. أنا الباحث.. أنا الدارس.. أنا الخبير! أما أنتم أيها المشاهدون، فعليكم أن تحمدوا إطلالتي عليكم من علٍ، وأن تحمدوا سموحتي معكم أنكم تسمعونني. كفي بي أنني أرشد، وأبين، وأهدي العميان منكم إلى سابلة الطريق.

ألا يعلم أولئك أن من كان جاهلا من عشرات السنين، قد تعلم؟ ويستطيع أن يميز الغث من السمين والجّيد من الرديء؟ ألم يعلم أولئك أن محاولاتهم مكشوفة؟ وأن حججهم مبتورة؟

كان العرب وقت الاستعمار يساقون بالسياط، ثم بالرصاص، ثم بجيوش العملاء. نعم ففي كل بلد عربي جيوش من العملاء. أليست هذه جيوشا تلك التي تتسلط على الرقاب وتحارب الأعداء “عفوا.. تحارب الشعوب” في سورية، وفي ليبيا، وفي اليمن السعيد؟ ثم أليس حولنا جيوش في الإعلام تقبض المعلوم؟ بلى، فحولنا جيوش قتالهم التزوير، والخداع، والتضليل.. قتالهم السلب، والنهب، والرشوة، والظلم، وإهدار مقدرات الشعوب. لقد مضى عصر شراء العملاء من الأفراد، وبدأ منذ حين ليس بقريب عصر شراء فئات العملاء من الشعوب.

لكن آلة الإعلام الجبارة التي لم تكن تتوقف عن الكذب في الصباح ولا في المساء، قد أضحت في عالم الإنترنت والفيسبوك، تميل إلى استجلاء الحقيقة. كيف لا وقد أصبح العالم مكشوفا، تصل فيه الوقائع إلى أرجائه الجلواء لحظة وقوعها؟ لقد أدى، ويؤدي انتشار وسائل الإعلام والاتصال الحديث، إلى المزيد من بدو الحقيقة؛ تبيينها واستجلائها.. فلم يعد بمقدور حاكم أو رئيس أن يستأثر بالحقيقة وحده.. لم يعد بالمقدور خداع الشعوب بكلمة أو بصورة، أو عنوان في مجلة أو جريدة. لم تعد الحقيقة تقدر على الخفاء.

ومع بداهة هذه الحقيقة، إلا أن العقول الصدأى لبعض المتسلطين على قنوات الإعلام ما زالت تعيش في الماضي، فلا تنفك عن ممارسة ما اعتادت عليه في سنين حياتها من تضليل وخداع، ولا تزال تنشر وتبث الأكاذيب.

ولا يدرك هؤلاء أنه لم يعد من المقبول أن تُفرض الوصاية فرض قهر على الشعوب. لقد أصبح للشعوب الضعيفة فكر وعقل. لقد نما وعي الشعوب عما كان عليه من شهر واحد، ومن سنة واحدة، ومن عشرات السنين. ويظهر غباء من يسمون إعلاميين – وهم في الحقيقة ليسوا عالمين ولا إعلاميين – حين يتذاكون ويحاولون التدثر بثياب الموضوعية، والظهور بمظهر الطرف الشريف النزيه المحايد، لكنهم لا يستطيعون تغيير جلودهم الثخينة التي تكشف زور معدنهم، وقبح خبيئتهم.

لقد رأينا إصرار قنوات عربية على بث صور مؤيدي من يقال إنهم زعماء، في الوقت الذي يقتلون فيه الشعوب بالصواريخ والمدافع والطائرات، وتغتصب فيه النساء، وييتم الأطفال.

فإن كان المتسلطون في الماضي قادرين على توجيه رأي شعوبهم بكلمة، أو بخبر في جريدة، فلم يعد ذلك ممكنا في عصر المعلومات والمعرفة التي تنكشف على كافة الصعدان.

وإن كان بعض القائمين على الإعلام في العالم العربي ما يزالون غير مدركين لهذه الحقيقة وبدوها، فلا بد أن يعلموا أنهم لم يخرجوا بعد من ظلمة عقولهم وغابر أفكارهم.. ولا بد أن يعلموا أن الشعوب تعلم خبيئة صدورهم ودلالة ألسنتهم، وأن حبل الكذب قصير.

hany_murad

عن الكاتب

مترجم محترف ومراجع ومدير ترجمة، عمل في مصر وخارجها، وكاتب لمقالات الرأي. ترجم العديد من الكتب والدراسات الإنجليزية إلى اللغة العربية، في مجالات مختلفة.

حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية، وأخرى في اللغة الإنجليزية. عمل في مصر في مجال تعريب برامج الكمبيوتر، ثم عمل لعدة سنوات خارج مصر.

عمل مديرا لقسم الترجمة بجريدة الشرق الأوسط الدولية التي تصدر من لندن. كما شارك في تأسيس مؤسسة “دار الترجمة” للتعريف بالإسلام بمختلف اللغات، وعمل مديرا لقسم الترجمة العربية بها.

ألف بحثا عن فن الترجمة، وآخر عن سيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كما شارك في تأليف كتاب عن الكتابة التجارية باللغتين العربية والإنجليزية.

يعمل حاليا في مجال الترجمة والمراجعة، ويقدم خدماته للعديد من الشركات والمؤسسات العربية والدولية.

يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني: hanymourad2@yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*