الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
آخر الموضوعات

الخلوة

kholwaوسط زخم الأبناء والعمل والأسرة والزيارات والمسؤوليات والإحباطات والكثير والكثير من الأحداث يفتقد معظم الناس لحظات ساكنة لأنفسهم يفكرون فيها في هدوء، يراجعون أحداث يومهم بشكل يومي (أو شبه يومي) منتظم.

كثير من الناس حياتهم في اتجاه واحد كرد فعل، إما يخرجون ما داخلهم إلى خارجهم أو يحولون المعلومات والانفعالات من خارجهم لخارجهم، حتى بلغت السطحية أقصى مداها ولم يعد الإنسان يعرف حقيقة دوافعه أو أفكاره الخاصة به ولا يعرف ماذا يفعل ولماذا يفعله ولماذا لا يفعل  شئ تجاه هذا الوضع، ويتحول ليرى هو شخصيا نفسه بنفس الوجه المصطنع الذي يراه الناس به؛ ترى احدهم يكذب ويظل يردد على مسامع الناس أنه من أصدقهم حتى يصدق نفسه ويصدق كذبه بعد أن فقد لحظات يخلو بها بنفسه ليواجه حقيقته فيعطي فرصه لضميره حتى يعود عن طريقه. هناك آخر يعيش بين الناس ويظهر لهم أنه سعيد وهو يصطنع حتى يقتنع أنه سعيد وهو في داخله ألم كل ما فعله أنه أخفاه، لم يقبله ولم يتعامل معه ولم يتخذ إجراء لحله، فقط أخفاه، فيظل ينخر في جسمه ويتداعى هذا الشخص وهو لا يعرف السبب لأنه ظل يخفي السبب حتى لم يعد يعرف أين يجده عند الأزمة ليتعامل معه أخيرا.

بطبيعة الإنسان أنه يرسم صورة لنفسه أمام الآخرين تختلف إلى حد كبير عن صورته الحقيقية الداخلية التي تمتلئ بدوافع وأحاسيس ومخاوف ونقاط ضعف تؤثر عليه. ولكن مع فقده للحظات ساكنة يسترجع فيها الأحداث مع نفسه تجده يتوه مع هذه الشخصية المفتعلة ويصدقها وتبعد المسافة بينه وبين حقيقة نفسه وأحيانا يُصدق أنه الشخصية المفتعلة بعد أن تنقطع العلاقة تماما بينه وبين دوافعه.

هذه الحالة تنذر بكارثة لأن هذه المراجعة التي افتقدها تعزز من النفس اللوامة وتخمد النفس الأمارة بالسوء، أما تصديق الصورة الكاذبة التي افتعلها والتي غالبا ما تكون مثالية ولها مبرراتها التي تجعلها مستقرة بلا أي رغبة في التغيير للأحسن أو الأصلح والتي لا ترى أي فعل خاطئ فهي تعلي من النفس الأمارة بالسوء حتى يفتقد الإنسان القدرة الجسدية والفسيولوجية على نقد نفسه ورؤية خطؤه ليصلحه فيغرق في ذنوبه.

الحياة في هذا الصخب دون لحظات ساكنة مع النفس تملؤه فورا المشاعر سلبية ويغمره الاكتئاب دون معرفه سبب لذلك. قد يصبح كل شئ سطحي حتى الدين وتصبح العبادات مجرد تصرفات معتادة ليس فيها روح، ويظل الإنسان في حالة سقوط في بئر ليس له قاع، لذا كانت عبادة التفكر عبادة عظيمة.

في الحياة الأسرية إضافة إلى الحياة العملية، كثير من القرارات المصيرية التي يضطر الإنسان لأخذها تحتاج خلوة في سكون مع النفس بعد عدة استشارات من موثوق بهم وذلك للدراسة وتحديد الأولويات وتقييم العواقب والاستعداد لتحمل مسؤولية أي عقبات ولن يتم ذلك إلا في هذه الخلوة.

في الحياة الأسرية إضافة إلى الحياة العملية، كثير من الأزمات تحتاج إلى تقييم جميع الأفعال التي أدت لهذه الأزمات ومن المسؤول عنها وبالتحديد في أي جزئية وهل كان يمكن تفادي ذلك بأي طريقة وما هو دور كل فرد في هذه الأزمة ومصارحة النفس بأي مسؤولية شخصية عنها ومحاولة تفادي حدوث ذلك أو إصلاح ما هو قائم.

إذا كنت تخشى أن تواجه نفسك وتجلس معها في خلوة تعيد النظر في جميع أفعالك فلديك مشكلة لأنك لو كنت في حالة تصالح مع نفسك لما خشيت أن تواجهها، ولذلك تداعيات سلبية على نفسك على المدى الطويل. قد يكون لديك مشاكل تؤلمك وقد تعاني من مخاوف أو شعور بوجع الضمير أو تشعر بالمسؤولية تجاه كارثة تسببت فيها أو تظن ذلك أو تقصير أو عجز أما أزمة في حياتك لا تستطيع أن تخرج منها أو حق تعلمه ولا تريد أن تعترف به …إلخ. مئات الأسباب التي قد تؤرق نفسك وتؤثر عليك إن لم تجلس مع نفسك وتعترف بها وتأخذ أي إجراء قدر المستطاع لحلها ولو كان الحل في قبولها كأمر واقع فستضيع سنوات عمرك في ألم من صنعك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*